رؤية الابنة وهي تشبه أباها من المشاهد التي يتأملها الرائي بانتباه، سواء كان هو الأب أو غيره. وهي رؤيا رمزية في أصلها، لا تدل حرفيًا على أمر بعينه ولا تُعد إخبارًا بما سيكون. فالأحلام تستمد صورها من مشاعر الرائي وآماله ومن مشاهد يومه، والشبه بين الأبناء والآباء موضوع مألوف يتحدث عنه الناس في الأسر. وما يُذكر هنا احتمالات عامة تُقرأ بهدوء، ويتفاوت انطباقها بتفاوت ظروف كل رائٍ.
الابنة في عالم الرموز صورة للحنان والرعاية والأمل والمستقبل، وهي ترتبط بما يعقده الوالدان من تمنيات على سعادتها. والشبه بالأب في الدلالة العامة يرتبط بالامتداد والانتماء وبما يُنقل من ملامح وطباع وذكريات. فإذا اجتمعا، جاز أن يكون المعنى متصلًا بتأمل الرائي في الصلة التي تجمعه بابنته أو في مكانة الأب في حياته. وقد تكون الرؤيا انعكاسًا لشوق إلى الأب أو لتفكير في الدور الذي يقوم به الرائي تجاه أسرته.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الأقارب أن رؤية الأقارب قد ترتبط بما يجمع الرائي بهم من علاقة وأحوال، وأن الشبه بينهم قد يشير إلى قرب أو إلى طبع مشترك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مشاهد القرابة والمشابهة قد تعبّر عن صلات النفس بأصلها وما يُخلَّف من أثر. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك، وهي أبواب لا تتفق فيها الأقوال. وصورة الابنة المشابهة لأبيها بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيغلب فيها الاجتهاد على النص.
يتبدل المعنى بحسب السياق. فإن كان الشبه في ملامح جميلة مألوفة وكان الجو دافئًا، مال التفسير إلى الأنس والاعتزاز والارتياح. وإن كان الشبه مبالغًا فيه أو غريبًا مشوشًا، فقد يعكس ذلك شعور الرائي بأن الصورة تحمل معاني لم تتضح له بعد، وهذا لا يدل على أمر في الواقع. وإن كان الأب حاضرًا في المنام يبتسم لها، فقد يرتبط المشهد بتقدير وقرب. وإن كان غائبًا في الواقع، فقد يحمل الحلم شيئًا من الحنين إليه.
إن كان الرائي أبًا، فقد تعبّر الرؤيا عن اعتزازه بابنته وشعوره بأن في طباعها شيئًا منه، وعن رغبته في أن تمضي في حياتها بثقة. وإن كانت الرائية أمًا، فقد ترتبط بانتباهها لطباع ابنتها وتأملها في أوجه التشابه بين أفراد الأسرة. وقد يظهر الحلم بعد كلام سمعه الرائي عن شبه الابنة بأبيها أو بعد رؤية صورة قديمة. وفي الحالتين يُقرأ المعنى بوصفه صدى للألفة، ولا يصح أن يُبنى عليه رأي في طباع الابنة أو مستقبلها.
وأما من ليس له أبناء، أو الشابة غير المتزوجة، فقد يتصل المعنى بتفكير النفس في أصلها وفي الصفات التي ورثتها وما تريد أن تحمله إلى المستقبل. وقد تمثل الابنة هنا امتدادًا لفكرة أو لقيمة يعتز بها الرائي. وربما عبّرت الصورة عن اشتياق إلى أسرة تجمع ملامح الأجيال. وهذه كلها احتمالات مفتوحة، والرائي أقدر على الترجيح بينها لمعرفته بظروفه ومرحلته العمرية.
للتفاصيل الدقيقة أثر في الفهم. فموضع الشبه مهم، أهو في الملامح أم الصوت أم طريقة الكلام أم الحركة؟ وكذلك هيئة الأب في المشهد، أهو شاب أم كبير السن، وهل هو معروف للرائي أم صورة غامضة؟ ويُنظر إلى مشاعر الابنة، أمسرورة هي بهذا الشبه أم منزعجة، وإلى المكان والأجواء. وأصدق دليل على المعنى هو الشعور الذي يخلّفه الحلم بعد الاستيقاظ، أهو أنس أم حيرة.
ومن الوارد أن تكون الرؤيا صدى لموقف حقيقي، كتعليق سمعه الرائي عن الشبه أو صورة قديمة رآها. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تأويل بعيد، فالنفس تعيد ما علق بها في صور جديدة. وإن جاءت بلا سبب ظاهر، فيمكن عدّها رسالة عامة عن الامتداد والمحبة بين الأجيال. ولا يصح أن يرتب عليها الرائي توقعًا محددًا أو مقارنة بين أبنائه.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى تقدير شخصية الابنة المستقلة، فهي تشبه من حولها في بعض الصفات وتنفرد بصفات خاصة بها. فالاستماع إلى ما تحب وما تتمناه يبني ثقتها بنفسها بعيدًا عن المقارنة بأحد. وتخصيص وقت للقرب منها وتبادل الذكريات يقوّي الألفة بين الأجيال. والحلم ليس نصيحة طبية أو تربوية متخصصة، والقلق الشديد المستمر على الأبناء يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار ولا يُتخذ منه موقف حاسم. وكثير من الأحلام انعكاس للنفس وما يشغلها في يقظتها. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ لابنته بالسعادة والتوفيق وراحة البال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه ظنون واجتهادات.
