رؤية الصحراء في النهار في المنام مشهد يغلب عليه الضوء والوضوح، فكل شيء فيه ظاهر للعين بعيد المدى. وقد يترك هذا المنظر لدى الرائي إحساسًا بالانكشاف والصراحة، وربما بالإرهاق من شدة الإضاءة. والرؤيا في أصلها رموز عامة تتأثر بالحال والشعور، وليست وصفًا حرفيًا لما سيقع. ولذلك لا ينبغي أن يُبنى عليها قرار حاسم أو قلق دائم. وما يرد من معانٍ هنا احتمالات تقريبية يختلف أثرها من شخص إلى آخر.
الصحراء في النهار تجمع معنى الاتساع والخلوة مع معنى الوضوح وظهور المعالم. فقد ترمز إلى مرحلة تنكشف فيها الأمور للرائي ويرى فيها خياراته بصورة أجلى. وقد تدل على سعي ظاهر مكشوف أمام الناس، أو على عمل يحتاج إلى جهد متواصل في وضح النهار. وقد تعبّر أيضًا عن شعور بالانكشاف وقلة الستر في موقف ما. وهذه المعاني متقاربة، ويرجّح أحدها ما يصاحب الرؤيا من راحة أو ضيق.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الضياء في المنام يدل في الغالب على بيان الأمر وزوال اللبس، وأن الأرض الفسيحة تدل على سعة أو سفر بحسب الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن قطع الفلاة نهارًا قد يشير إلى سعي ظاهر يعقبه نفع لمن أحسن التدبير. وتختلف عبارات المفسرين في ذلك ولا تتحد دائمًا. كما أن تحديد الوقت من اليوم في رؤية الصحراء من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فيبقى الفهم مبنيًا على الاجتهاد.
يؤثر السياق كثيرًا في اتجاه المعنى. فإذا كان الرائي يمشي والشمس لطيفة والرؤية صافية، فقد يُفهم ذلك على أنه وضوح في الطريق وارتياح في السعي. وإذا كان يشعر بوهج شديد يؤذي عينيه، فقد يعبّر ذلك عن ضغط من كثرة الانتظار أو من مواجهة أمر لا مفر منه. ووجود ظل قريب قد يشير إلى سند أو راحة قريبة. ويُنظر كذلك إلى طبيعة الأرض ومستوى الطمأنينة، فالمعنى يتركب من مجموع القرائن لا من عنصر واحد.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة الصحراء في النهار، فقد يدل المنظر على مرحلة وضوح في التفكير وانكشاف خيارات كانت مبهمة. وقد يعبّر عن سعي ظاهر في دراسة أو عمل تُثبت فيه كفاءتها. وإن شعرت بالتعب من الضوء، فقد تكون الرؤيا صورة لضغط التوقعات حولها. أما المرأة المتزوجة فقد يعبّر المنظر عندها عن مرحلة صراحة في الأسرة أو إنجاز لمهام كثيرة في النهار، مع حاجة إلى فترة راحة وظل. وكل ذلك تقدير عام.
وإذا رآها الرجل، فقد تشير إلى جهد عملي مباشر وتحمل مسؤوليات ظاهرة، وقد تدل على كشف أمر كان غامضًا في عمله أو علاقاته. وقد تعبّر عن رغبة في الصراحة وعدم المراوغة. وإن رأتها المرأة الحامل، فالأقرب أنها صورة نفسية ترتبط بوضوح الترقب وكثرة التفكير، وليست دليلًا على شيء يتعلق بالحمل. والحلم ليس نصيحة طبية، ومن شعرت بحرارة أو دوار أو تعب في يقظتها فعليها مراجعة الطبيب وشرب الماء بقدر كاف.
للتفاصيل أثرها في تحديد المعنى. فالصحراء في الصباح الباكر قد توحي ببداية مشروع، وفي الظهيرة قد توحي بذروة الجهد والاختبار، وفي العصر قد توحي بقرب الإنجاز. وظهور السراب في وضح النهار قد يعبّر عن أمنيات تحتاج إلى تثبت. ووجود الرياح اللطيفة قد يشير إلى تخفيف، وغياب الهواء تمامًا قد يشير إلى حاجة إلى تغيير في الأسلوب. وهذه الاحتمالات تقريبية لا قطع فيها.
ومن الجانب النفسي، قد يكون هذا المنظر ناتجًا عن يوم طويل من الانشغال الذهني أو عن التعرض لضوء قوي ومشاهد مكشوفة. ويفيد الرائي أن يعطي نفسه فترات استراحة منتظمة خلال النهار، وأن يرتب مهامه بحيث لا يتراكم عليه العمل. كما ينفعه ترتيب الأولويات وتقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء. وقد يساعده النوم المبكر والابتعاد عن الشاشات قبل الفراش على تهدئة الأحلام. ومن شعر بثقل مستمر فاستشارة مختص أمر حسن.
ومما يحسن ذكره أن وضوح الصورة في الحلم لا يعني وضوح الواقع بالضرورة، فقد يكون الوضوح رمزيًا يعبّر عن رغبة في الفهم لا عن حصوله. ولذلك فالأولى أن يتعامل الرائي مع الرؤيا باعتبارها دعوة إلى مزيد من التأني والسؤال. ويمكنه أن يستشير أهل الخبرة في الأمر الذي يشغله قبل أن يتخذ خطوة. وبذلك يجمع بين طمأنينة النفس والأخذ بالأسباب، وهو أنفع من كثرة التفسير.
وخلاصة القول أن الصحراء في النهار رمز يميل إلى الوضوح والانكشاف والسعي الظاهر، ويتغير معناه بحسب الشعور والتفاصيل. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه جزم ولا هلع. ومن أحسن الظن بالله ودعا بقوله: اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا وأنر البصيرة في كل أمر مهم، كان ذلك أقرب إلى السكينة. والغيب لا يعلمه إلا الله، والعمل الصالح والتوكل أنفع من الاستغراق في التأويل.
