من رأى في منامه طريقًا في الصحراء لا يظهر له آخر فقد رأى صورة تجمع بين الامتداد والتكرار، وهي صورة قد تترك أثرًا من التعب أو التأمل عند الاستيقاظ. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فالطريق الذي لا ينتهي لا يعني أن الرائي سيبقى في وضع مستمر بلا مخرج. وإنما هو تعبير عن شعور ما بطول المسافة أو بتكرار الجهد أو بغموض الغاية. ويختلف تأويله باختلاف حال الرائي وما يمر به من ظروف. وما يُذكر هنا إشارات عامة لا تُغني عن النظر في واقع صاحب الرؤيا.
الصحراء ترمز إلى الخلوة والاتساع والاختبار والصبر والبحث عن الاتجاه، وقد تدل على فراغ مؤقت بحسب السياق. والطريق الذي لا نهاية له يعمق معنى الامتداد، فيدل غالبًا على سعي طويل أو مهمة تحتاج نفسًا طويلًا. وقد يعبّر عن شعور بأن الجهد المبذول لا يقابله وصول قريب، وهذا شعور إنساني معروف. وقد يدل في وجه آخر على استمرار الحركة والقدرة على المواصلة. ولا يُعد ذلك دليلًا على سوء، فكثير من الأعمال النافعة تحتاج إلى مسافة طويلة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الطريق أن طوله قد يدل على طول المدة في بلوغ المراد، وأن استقامته تدل على صلاح السعي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن السير الطويل يشير إلى الجد في الطلب والصبر على الأمر. وليس في الكتب القديمة، فيما يُعرف، نص خاص بالطريق الذي لا ينتهي في الصحراء، فهو من الرموز الأقل تناولًا. ولذلك يُبنى تأويله على القياس العام، وتختلف فيه آراء المفسرين. فينبغي قراءة هذه الأقوال على أنها اجتهادات متعددة لا قاعدة ثابتة.
للسياق أثر كبير، فالطريق الذي يسير فيه الرائي بخطى ثابتة وهدوء غير الطريق الذي يركض فيه مذعورًا. وإذا ظهرت في الأفق علامات كأشجار أو أضواء بعيدة فقد يدل ذلك على أمل في غاية بعيدة. وإذا كان الطريق متشابه المشاهد فقد يعبّر عن روتين يومي متكرر. وإذا شعر الرائي بالعطش أو التعب فقد يدل ذلك على حاجة إلى راحة وإعادة ترتيب للأولويات. ويفرق كذلك بين أن يكون الرائي وحده وأن يكون معه رفقة.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة هذا الطريق فقد يعبّر الحلم عن انتظار طويل لأمر تتمناه، أو عن شعور بأن مرحلة الدراسة أو البحث عن عمل تطول. وقد يدعوها المشهد إلى الصبر وتقسيم الهدف إلى مراحل قصيرة. وإن شعرت بالراحة أثناء السير فقد يدل ذلك على قدرتها على الاحتمال. وإن شعرت بالضيق فقد يكون ذلك دعوة إلى التحدث مع من تثق به. ولا ينبغي أن يُفهم من الحلم أن الانتظار سيطول، فالمعنى نفسي أكثر منه توقيتي.
أما المرأة المتزوجة فقد يدل الطريق على مسؤوليات متتابعة في البيت لا تكاد تنتهي، وعلى حاجة إلى توزيع الأعباء وطلب العون. وإذا كانت حاملًا فقد يعبّر الحلم عن طول الترقب وقلق الانتظار، وليس هذا الحلم نصيحة طبية ولا خبرًا عن موعد أو حالة، والمرجع في ذلك الطبيب. وأما الرجل فقد يدل الطريق عنده على عمل طويل أو التزام مالي ممتد يحتاج إلى نفس طويل. وقد يكون دعوة إلى وضع خطة واضحة بمحطات. وإذا كان يسافر كثيرًا فقد يعكس الحلم إرهاق التنقل.
من التفاصيل الدقيقة لون الرمال ودرجة الحرارة، فالحر الشديد قد يدل على ضغط، والنسيم اللطيف على سكينة. وإذا كان الطريق مستقيمًا تمامًا فقد يرمز إلى وضوح المسار رغم طوله، وإذا كان يلتف فقد يرمز إلى عدم يقين. وإن ظهر في الحلم عداد أو لوحة تدل على المسافة فقد يدل على رغبة في قياس التقدم. وإذا غيّر الرائي اتجاهه في الحلم فقد يدل ذلك على استعداد لمراجعة الوجهة. وإن انتهى الطريق فجأة عند مكان مألوف فقد يدل على بلوغ غاية بعد صبر.
من الزاوية النفسية يظهر هذا النوع من الأحلام عند من يشعر بالإرهاق من التكرار أو يواجه مهمة طويلة المدى. والعقل في النوم يصوغ هذا الإحساس بمشهد بسيط يتكرر بلا نهاية. وينفع الرائي أن يقسم عمله إلى مراحل صغيرة يحتفل بإنجاز كل منها، وأن يمنح نفسه فترات راحة. ويستحسن أن يتحدث مع شخص مقرب عما يثقل صدره. وإذا ترافق الحلم مع حزن مستمر أو أرق أو فقدان رغبة فالأفضل استشارة مختص.
وخلاصة القول أن الطريق بلا نهاية في الصحراء رمز للسعي الطويل والصبر على المسافة، وقد يحمل معنى التعب كما يحمل معنى المواصلة. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن ييسر له بلوغ مقصده. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية قد تُعين على التأمل. والله أعلم.
