قد يرى النائم في منامه صحراء بعيدة عنه، لا تكاد تبدو إلا خطًا ممتدًا في الأفق، فيستيقظ وفي ذهنه إحساس بالمسافة والانتظار. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من المشاعر وما يشغل الفكر، وليست خبرًا حرفيًا عما سيقع. ولذلك فإن المعاني الواردة هنا احتمالات عامة تقرّب الفهم ولا تقطع بشيء محدد. ويحسن أن يُقرأ الحلم بهدوء دون استعجال في استخراج النتائج. وغالبًا ما يرتبط البعد في الأحلام بأمور مؤجلة أو طموحات لم يحن وقتها.
ترمز الصحراء إلى الخلوة والاتساع والصبر والبحث عن الاتجاه، وقد تدل على فراغ مؤقت قبل مرحلة جديدة. أما بعدها عن الرائي فقد يضيف معنى أن هذه المرحلة أو هذا الشعور ما زال بعيدًا عن واقعه الحالي. وقد يدل على هدف يحتاج إلى وقت طويل ومثابرة. وقد يعبّر عن رغبة في الخلوة والتأمل لم يجد لها الرائي فرصة بعد. وتتغير الدلالة بحسب الشعور المصاحب، فالنظر إلى البعيد بتطلع غير النظر إليه بقلق.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب البرية والأرض الخالية أن الدلالة تتبع حال الرائي، وأن البعد والقرب في المنام قد تُفسَّر بحسب ما يقابلهما من أمور الحياة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يظهر بعيدًا قد يرتبط بأمر يتأخر وقوعه أو يحتاج إلى صبر، مع التذكير بأن ذلك احتمال لا جزم فيه. وتختلف الآراء في هذه المعاني اختلافًا ظاهرًا. كما أن الرموز المتعلقة بالمسافة بين الرائي والصحراء أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيبقى الاعتماد على السياق وعلى حال الرائي أولى من التمسك بنص واحد.
للسياق أثر كبير، فهل كانت الصحراء تُرى من نافذة أو من تل مرتفع أو من طريق، وهل كان الرائي يتجه نحوها أم يبتعد عنها، وهل شعر بالشوق أم بالارتياح لبعدها. الاتجاه نحوها قد يُحمل على سعي إلى هدف بعيد، والابتعاد عنها قد يعكس رغبة في تأجيل مرحلة لم يستعد لها بعد. والشوق إليها قد يرتبط بحنين إلى هدوء أو سفر. والارتياح لبعدها قد يرتبط بخشية من تغيير قريب. وكل ذلك قراءات ظنية لا تُؤخذ على سبيل الجزم.
إذا كان الرائي رجلًا طموحًا، فقد يعبّر بعد الصحراء عن هدف كبير يحتاج إلى مراحل عدة قبل الوصول إليه. وإذا كان موظفًا يتطلع إلى نقلة في عمله، فقد يرتبط الحلم بصبره على طريق طويل. وإذا كان ينتظر سفرًا أو لقاءً، فقد يعكس البعد شعور الانتظار. وإذا كان يشعر بالإرهاق، فقد تكون الصحراء البعيدة رمزًا لراحة مؤجلة يتمناها. وهذه القراءات تتفاوت من شخص إلى آخر.
وقد يختلف الحلم عند المرأة بحسب حالها، فالمتزوجة قد ترى الصحراء البعيدة تعبيرًا عن أحلام مؤجلة بسبب مسؤوليات الأسرة، والعزباء قد ترى فيها مرحلة مقبلة ما زالت غير واضحة المعالم. وقد ترى الحامل البعد انعكاسًا لانشغالها بما ينتظرها بعد وقت، وهذا ليس إخبارًا عن الحمل ولا نصيحة طبية. وقد تراه المرأة المغتربة تعبيرًا عن المسافة بينها وبين أهلها. ولذلك لا يصح تعميم تفسير واحد. ويبقى التأويل مرتبطًا بتجربة كل رائية.
التفاصيل الدقيقة قد تضيف معنى، فالصحراء البعيدة التي يغمرها الضوء قد تُقرأ أملًا في وضوح مستقبلي، والتي يغشاها الغبار قد تُقرأ غموضًا في الرؤية. وإن كانت تقترب تدريجيًا أثناء الحلم فقد تُفهم رمزًا لتقدم بطيء نحو الهدف. وإن كانت تتباعد كلما سار الرائي نحوها فقد تعبّر عن شعور بصعوبة اللحاق بأمر معين. وإن ظهر بينها وبين الرائي ماء أو طريق فقد يُحمل على معنى وجود وسيلة ممكنة للوصول. وتبقى هذه التفاصيل رموزًا مفتوحة للاحتمال.
ومن المفيد التذكير بأن الأحلام تتأثر بما يشاهده الإنسان ويفكر فيه قبل نومه، فقد يرى الصحراء بعيدة لأنه كان يتأمل صورة أو يخطط لسفر بعيد. وقد يكون البعد تعبيرًا عن إحساس عام بالمسافة بين الواقع والطموح دون صلة بحدث محدد. ولذلك لا ينبغي أن يُحمّل الحلم أكثر مما يحتمل. ويكفي أن يأخذ منه معنى الصبر والتدرج. وهذا أقرب إلى طبيعة الأحلام من استخراج معان بعيدة.
من الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى تقسيم الأهداف الكبيرة إلى خطوات صغيرة واضحة. ويفيد في ذلك كتابة الخطة، وتحديد مواعيد قصيرة المدى، والاحتفاء بكل خطوة منجزة. ويفيد أيضًا الحفاظ على النوم المنتظم والراحة، وتجنب مقارنة النفس بالآخرين. وإذا رافق الحلم يأس أو أرق شديد فمراجعة مختص أنسب. والحلم ليس نصيحة طبية ولا بديلًا عن الاستشارة المتخصصة.
خلاصة القول أن الصحراء البعيدة عن الرائي في المنام رمز عام لأمر مؤجل أو هدف بعيد يحتاج إلى صبر وتدرج، وليست إعلانًا عن أمر محدد. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب. وحسن الظن بالله يبقي القلب مطمئنًا مهما طال الطريق. ويحسن أن يدعو الرائي بأن يقرّب الله له الخير وأن ييسر له أسبابه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
