قد يرى النائم في منامه أنه خائف من الصحراء، يتلفت حوله ويشعر برهبة من الاتساع والصمت، فيستيقظ وقلبه مثقل بالتساؤل. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من المشاعر وما يشغل الفكر، وليست خبرًا حرفيًا عما سيقع. وشعور الخوف في الحلم كثيرًا ما يكون انعكاسًا لقلق من أمر مجهول في اليقظة، لا إنذارًا بشيء بعينه. ولذلك فإن المعاني الواردة هنا احتمالات عامة، ويحسن أن تُقرأ بهدوء ودون تهويل. وليس في هذا الحلم ما يدعو إلى الفزع.
ترمز الصحراء إلى الخلوة والاتساع والصبر والبحث عن الاتجاه، وقد تدل على فراغ مؤقت قبل مرحلة جديدة. أما الخوف منها فقد يعبّر عن رهبة من الوحدة أو من مرحلة غير واضحة المعالم. وقد يدل على قلق من اتخاذ قرار بلا ضمانات كافية. وقد يعبّر عن تخوف من فقد السند أو الدعم. وتتغير الدلالة بحسب ما يحيط بالخوف في المشهد، فالخوف الخفيف المصحوب بالتأمل غير الذعر الشديد.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الخوف والأمان أن الخوف في المنام قد يُقرأ بحسب حال الرائي وما بعده من أمن أو طمأنينة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البرية قد ترمز إلى أمر يحتاج إلى تدبّر وصبر قبل أن يتضح. وتختلف الآراء في هذه المعاني اختلافًا ظاهرًا، فبعضهم يميل إلى التفاؤل وبعضهم إلى الاحتياط. كما أن الجمع بين الخوف والصحراء تحديدًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيبقى الاعتماد على السياق وعلى حال الرائي أولى من التمسك بنص واحد.
للسياق أثر كبير، فهل كان الخوف من الاتساع أم من الصمت أم من شيء يتحرك في الأفق، وهل كان الرائي وحده أم معه أحد، وهل انتهى الحلم بطمأنينة أم باستيقاظ مفاجئ. الخوف الذي يعقبه أمان قد يُحمل على زوال قلق قريب، والاستيقاظ المفاجئ قد يعكس توترًا في اليقظة. ووجود ضوء أو ماء أو ظل قد يُفهم على أنه مخرج وفرج. وإن كان معه رفيق فقد يدل على أهمية الدعم من المحيطين. وكل ذلك قراءات ظنية لا تُؤخذ على سبيل الجزم.
إذا كان الرائي رجلًا يحمل مسؤوليات كبيرة، فقد يعبّر الخوف عن ثقل المسؤولية وخشية التقصير. وإذا كان شابًا مقبلًا على مرحلة جديدة، فقد يرتبط الحلم برهبة الانتقال من حال إلى حال. وإذا كان مسافرًا أو مغتربًا، فقد يعكس الخوف إحساسه بالبعد عن الأهل. وإذا كان يمرّ بضغط في العمل، فقد تظهر الصحراء الموحشة تجسيدًا للشعور بالعزلة. وهذه القراءات تتفاوت من شخص إلى آخر.
وقد يختلف الحلم عند المرأة بحسب حالها، فالمتزوجة قد ترى الخوف تعبيرًا عن قلق على أسرتها، والعزباء قد ترى فيه خشية من المستقبل. وقد ترى الحامل الخوف انعكاسًا طبيعيًا لانشغالها بما ينتظرها، وهذا ليس إخبارًا عن الحمل ولا نصيحة طبية. وقد تراه المرأة المنفردة في بلد جديد تعبيرًا عن وحشة الغربة. ولذلك لا يصح تعميم تفسير واحد على الجميع. ويبقى التأويل مرتبطًا بتجربة كل رائية.
التفاصيل الدقيقة قد تضيف معنى، فالليل الحالك قد يُقرأ غموضًا في الرؤية، والنهار المشرق قد يُقرأ وضوحًا يخفف الرهبة. والرياح الشديدة قد تُقرأ اضطرابًا في الأفكار، والسكون التام قد يُقرأ حاجة إلى كلام مع شخص قريب. وإن كان الخوف من حيوان أو ظل بعيد فقد يُفهم تجسيدًا لهمّ غير محدد. وإن زال الخوف تدريجيًا أثناء الحلم فقد يُحمل على معنى التغلب على قلق قديم. وتبقى هذه التفاصيل رموزًا مفتوحة للاحتمال.
ومن المفيد التذكير بأن الأحلام المخيفة تتأثر كثيرًا بالتعب والتوتر وما يشاهده الإنسان قبل النوم من أخبار أو مقاطع، فقد تتحول هذه المؤثرات إلى مشاهد واسعة وموحشة دون دلالة خاصة. وكثيرًا ما يكون الخوف في الحلم تفريغًا لما لم يُعبَّر عنه في اليقظة. ولذلك لا ينبغي أن يُحمّل الحلم أكثر مما يحتمل. ويكفي أن يأخذ منه الرائي معنى الحاجة إلى الطمأنينة. وهذا أقرب إلى طبيعة الأحلام من تحميلها معاني ثقيلة.
من الجانب العملي والنفسي، يفيد من يتكرر معه هذا الحلم أن يخفف من المشتتات قبل النوم، وأن يحافظ على مواعيد منتظمة للنوم، وأن يتكلم مع شخص موثوق عمّا يقلقه. ويفيد المشي في الهواء الطلق وتمارين التنفس الهادئ. ويفيد تدوين الأمور المقلقة وتقسيمها إلى ما يمكن معالجته وما يحتاج إلى وقت. وإذا اشتد الخوف أو رافقه أرق شديد فمراجعة مختص نفسي أنسب. والحلم ليس نصيحة طبية ولا بديلًا عن الاستشارة المتخصصة.
خلاصة القول أن الخوف من الصحراء في المنام رمز عام للقلق من المجهول وحاجة النفس إلى الأمان، وليس إعلانًا عن مكروه. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب. وحسن الظن بالله يبدّد كثيرًا من الرهبة ويبقي القلب مطمئنًا. ويحسن أن يدعو الرائي بأن يؤمّنه الله ويشرح صدره ويجعل ما رآه خيرًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
