من رأى في منامه شجرة وحيدة تقف في الصحراء فقد رأى مشهدًا يجمع بين الانفراد والثبات، وهو مشهد تتعدد قراءاته بتعدد أحوال الرائي. وينبغي أولًا تذكير القارئ بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فالشجرة هنا لا تدل بالضرورة على شجرة حقيقية ولا الصحراء على مكان بعينه. وإنما هي صور يستعملها العقل والنفس للتعبير عن معان وأحوال قد يصعب وصفها بالكلام المباشر. والتأويل في هذا الباب اجتهاد يختلف باختلاف الرائي وظروفه، ويبقى احتمالًا لا يقينًا. ولذلك يُستحسن أن يُقرأ ما يلي على أنه إشارات عامة تُعين على التأمل، لا على أنه خبر قاطع.
الصحراء في عالم الرموز تُشير في الغالب إلى الخلوة والاتساع والاختبار، وإلى مرحلة يقلّ فيها الزحام وتظهر فيها حقيقة الإنسان أمام نفسه. وقد تدل على الصبر وطول الطريق، وعلى البحث عن اتجاه واضح حين تتشابه المعالم. وقد تعبّر أحيانًا عن فراغ مؤقت أو شعور بقلة السند، وذلك بحسب ما يحيط بها من تفاصيل. فإذا ظهرت فيها شجرة وحيدة تغيّر المعنى، لأن الشجرة رمز للحياة والثبات والامتداد والظل والثمر. ومن اجتماع الصحراء والشجرة يتكوّن مشهد يوحي بوجود شيء حي وثابت في بيئة قليلة الموارد.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الأشجار أنها تدل على رجل أو أصل أو قريب بحسب نوعها وثمرها وظلها، وأن الشجرة القوية القائمة تشير إلى رجل ذي مكانة أو سند. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشجرة تدل على الأصل الطيب والنفع، وأن الانفراد قد يشير إلى استقلال في الرأي. وهذه الأقوال مجملة، وليست نصًّا صريحًا في صورة الشجرة الوحيدة في الصحراء بعينها. فالرموز الأقل شيوعًا تكون أقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يُبنى التأويل فيها على قواعد عامة لا على نص خاص. كما أن آراء المفسرين تختلف في تفاصيل الرموز، فلا ينبغي التمسك برأي واحد دون النظر إلى حال الرائي.
يتأثر معنى المشهد بحال الشجرة نفسها، فالشجرة الخضراء المورقة تختلف عن الشجرة اليابسة العارية. فإذا كانت الشجرة مثمرة أو ذات ظل واسع فهي أقرب إلى معاني السند والخير والاستقرار، وإذا كانت ذابلة فقد تشير إلى تعب أو حاجة إلى عناية بما يحمله الرائي من علاقات أو مشاريع. ويؤثر كذلك شعور الرائي داخل الحلم، فالطمأنينة تُرجّح الخير، والقلق يُرجّح الحاجة إلى المراجعة. وللمكان أثره، فالشجرة قرب الرمال الصفراء ليست كالشجرة وسط أرض قاحلة تمامًا. ويُنظر أيضًا إلى ما فعله الرائي، هل جلس في ظلها أم اكتفى بالنظر إليها أم ابتعد عنها.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة هذه الشجرة فقد تُقرأ الصورة على أنها حاجة إلى ثبات داخلي واستقلال في الرأي، أو شعور بأنها تقف وحدها في مرحلة معينة من حياتها. وقد يشير الظل في الشجرة إلى وجود شخص قريب أو فكرة تمنحها شعورًا بالأمان. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك تحديد لوقت أو نتيجة، فالمعنى هنا حالة نفسية وسلوكية أكثر منه خبرًا عن المستقبل. وإن كانت الشجرة مثمرة فقد تُقرأ على أنها أمل في ثمرة جهد تبذله، كدراسة أو عمل. وإن كانت يابسة فقد تكون دعوة إلى التمهل وإعادة ترتيب الأولويات.
أما المرأة المتزوجة فقد تعبّر الشجرة الوحيدة عن دورها بوصفها ركنًا ثابتًا في بيتها، وعن شعورها بأنها تحمل كثيرًا من الأعباء وحدها. وقد تدل الشجرة المثمرة على أبناء أو عمل نافع، والظل على راحة تتمناها. وإذا كانت الرائية حاملًا فقد تُقرأ الصورة على أنها رغبة في السند والطمأنينة قبل مرحلة جديدة، وليس الحلم نصيحة طبية ولا خبرًا عن الجنين، وأي سؤال عن الصحة يُوجَّه إلى الطبيب المختص. وأما الرجل فقد تشير الشجرة عنده إلى مسؤولية يتحملها، أو أصل عائلي يعتز به، أو رغبة في ترك أثر نافع. وإن كان يمر بمرحلة عمل فقد تدل على فكرة تحتاج إلى صبر حتى تثمر.
تتنوع التفاصيل التي تُغيّر القراءة، فنوع الشجرة مهم، فالنخلة قد تُقرأ على الخير والعطاء، وشجرة السدر أو الأثل قد تشير إلى صبر وقدرة على احتمال الجفاف. ومن التفاصيل أيضًا موضع الشجرة، هل هي قريبة من الرائي أم بعيدة لا يصل إليها إلا بمشقة. وإذا كان حولها طير أو ماء فالمعنى أقرب إلى الأنس والفرج النسبي. وإن كانت تتحرك مع الريح فقد تدل على مرونة مطلوبة، وإن كانت ساكنة فهي أقرب إلى الثبات. ومن رأى نفسه يسقيها أو يغرس مثلها فقد يُقرأ ذلك على أنه اهتمام بما يحتاج إلى رعاية.
من الزاوية النفسية قد يعكس هذا المشهد شعور الإنسان بالوحدة أو بالاعتماد على نفسه في مرحلة ما، وقد يعكس أيضًا فخرًا بثباته أمام الصعوبات. والعقل أثناء النوم يجمع انطباعات اليوم والقلق والأمنيات في صور بسيطة، ومنها صورة شجرة تقف وحدها. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه عن الجانب الذي يحتاج فيه إلى سند، وعمّن يمكن أن يستشيره أو يطلب منه المساعدة. كما يمكنه تدوين مشاعره عند الاستيقاظ ومقارنتها بما يمر به فعلًا. وإن كانت الصورة مصحوبة بتعب جسدي أو أرق متكرر فالأولى استشارة مختص، فالرؤيا ليست بديلًا عن الرعاية الطبية.
وخلاصة القول أن الشجرة الوحيدة في الصحراء رمز يحتمل الثبات والصبر والسند القليل لكنه حقيقي، وأن الاحتمالات تتوقف على تفاصيل الرؤيا وحال صاحبها. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. فيحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو ربه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه كل ضرر. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية قد تُعين على التفكر. والله أعلم.
