قد يرى الحزين أو المهموم في منامه صحراء واسعة، فيستيقظ وفي صدره ثقل أو تساؤل عمّا يعنيه المشهد. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من المشاعر المتراكمة والأفكار التي تشغل صاحبها، وليست خبرًا حرفيًا عما سيحدث. ولذلك فإن المعاني الواردة هنا احتمالات عامة تقرّب الفهم ولا تقطع بشيء محدد. ويحسن أن يُقرأ الحلم بهدوء وأن يُؤخذ منه ما يساعد على الطمأنينة فقط. وليس في صورة الأرض الواسعة ما يدعو إلى الخوف أو التشاؤم.
ترمز الصحراء إلى الخلوة والاتساع والصبر والبحث عن الاتجاه، وقد تدل على فراغ مؤقت يمرّ به الإنسان بين حال وحال. وبالنسبة لمن يحمل همًّا قد تعبّر الأرض الممتدة عن شعوره بسعة الأمر وطول الطريق إلى الراحة. وقد تعبّر عن حاجة إلى مكان هادئ يُفرغ فيه ما في داخله. وقد تعبّر أيضًا عن رغبة في الابتعاد عن الضجيج والمواقف المرهقة. وتتغير الدلالة بحسب الشعور المصاحب، فالسكينة في المشهد غير الضيق والوحشة.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الأرض الخالية والبرية أن الدلالة تتبع حال الرائي، وأن المشقة قد يعقبها فرج مع الصبر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البرية قد ترمز إلى أمر يحتاج إلى انتظار وتدبّر قبل أن ينجلي. وتختلف الآراء في هذه المعاني اختلافًا ظاهرًا، فبعضهم يميل إلى التفاؤل وبعضهم إلى الاحتياط. كما أن الرموز المتصلة بالحالات النفسية أقل تناولًا في الكتب القديمة، فلا يوجد اتفاق دقيق عليها. فيبقى الاعتماد على السياق وعلى مشاعر الرائي أولى من التمسك بقول واحد.
للسياق أثر واضح، فهل كان الرائي يسير ببطء أم يجلس، وهل كان يبكي أو يتنهد أم يتأمل بصمت، وهل ظهر في الأفق ضوء أو ظل أو ماء. الجلوس الهادئ قد يُحمل على رغبة في استراحة وتفريغ للهم، والسير المتعب قد يعكس ما يثقل القلب في اليقظة. ووجود ماء أو ظل أو نسيم قد يُفهم على أنه أمل قريب وتخفيف. وإن كان المشهد قاتمًا وخاليًا فقد يعبّر عن شعور بالوحدة يحتاج إلى مواساة. وكل ذلك قراءات ظنية لا تُؤخذ على سبيل الجزم.
إذا كان الرائي حزينًا لفقد أو فراق، فقد تعكس الصحراء إحساسه بالفراغ بعد غياب من كان يملأ أيامه. وإذا كان مهمومًا بالمال أو العمل، فقد تعبّر الرمال عن كثرة الحسابات وطول الانتظار. وإذا كان حزنه بسبب خلاف في الأسرة، فقد تتصل الرؤيا برغبة في هدوء بعيد عن التوتر. وفي كل هذه الحالات لا يُجعل الحلم دليلًا على نتيجة معينة. وإنما يكون مرآة لما يشعر به الرائي في ساعات اليقظة.
وقد يختلف الحلم بحسب عمر الرائي وظروفه، فالشاب المهموم قد يرى الصحراء تعبيرًا عن حيرة في المستقبل، والمرأة التي تتحمل مسؤوليات كثيرة قد تراها تعبيرًا عن رغبة في راحة قصيرة. وكبير السن قد يراها استحضارًا لسنوات مضت وأيام ثقيلة. ومن يمرّ بحزن عابر قد لا يكون في حلمه دلالة تتجاوز تعب يوم واحد. ولذلك لا يصح تعميم تفسير واحد على الجميع. ويكفي أن يُنظر إلى الحلم بوصفه صدى لحال نفسية متغيرة.
التفاصيل الدقيقة قد تضيف معنى، فالرمال الناعمة الدافئة قد تُقرأ سكينة وراحة، والريح الباردة قد تُقرأ توترًا وقلقًا. والليل الهادئ بنجومه قد يُقرأ خلوة صافية، والنهار الحارق قد يُقرأ ضغطًا ثقيلًا. وإن شعر الرائي بالخفة أثناء المشي فقد يُفهم ذلك تحسنًا تدريجيًا في الحال. وإن ظهر شخص يمد يده بالماء أو يرافقه فقد يُحمل على معنى الدعم من المحيطين. وتبقى هذه الصور مفتوحة للاحتمال ولا تصلح للجزم.
ومن المفيد التذكير بأن الأحلام تتأثر بالتعب وقلة النوم وما يمرّ به الإنسان في يومه، فقد تتكرر صور واسعة وخالية في ليالي الهم دون أن يكون لها معنى خاص. وكثيرًا ما تكون الصحراء تعبيرًا عن رغبة في التخفف من الأحمال. ولذلك لا ينبغي أن يُضيف الرائي إلى همّه همًّا جديدًا بسبب الحلم. ويكفي أن يرى فيه دعوة إلى الصبر والتروّي. وهذا أقرب إلى طبيعة الأحلام من تحميلها معاني ثقيلة.
من الجانب النفسي والعملي، يفيد من يحمل همًّا أن يتكلم مع شخص قريب يثق به، وأن يكتب ما يقلقه ويقسّمه إلى أمور يمكن معالجتها وأخرى تحتاج إلى وقت. ويفيد المشي في الهواء الطلق، والنوم المنتظم، والحرص على الطعام والراحة. وإذا طال الحزن أو اشتد أو رافقه فقدان رغبة في الحياة اليومية فمراجعة مختص نفسي ضرورية. والحلم ليس نصيحة طبية ولا بديلًا عن الاستشارة المتخصصة.
خلاصة القول أن الصحراء في منام الحزين والمهموم رمز عام للخلوة والصبر والبحث عن مخرج، وليست إعلانًا عن مآل أمره. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يغني عن الأخذ بالأسباب. وحسن الظن بالله يخفف عن القلب وطأة الهموم. ويحسن أن يدعو الرائي بأن يفرّج الله همه وأن يبدل ضيقه سعة واطمئنانًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
