من المشاهد اللافتة في عالم الرؤى أن يرى الرائي كلباً وقطة في مواجهة عدائية، يتراشقان بالخدش والنباح والفحيح، فيشعر بغرابة هذا الصراع بين حيوانين مختلفين في الطبيعة والسلوك، ثم يستيقظ متسائلاً عن دلالة هذا المشهد المركب. وقبل الخوض في التأويل، من الضروري التذكير بأن هذا كله اجتهاد بشري ظني في قراءة الرموز، لا حكم يقيني قاطع، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
ويختلف رمز القطة عن رمز الكلب في تراث تفسير الأحلام اختلافاً جوهرياً؛ فبينما يرتبط الكلب غالباً بالولاء والحراسة أو بالعدو الهين الأذى، ترتبط القطة عند كثير من المعبرين بالمرأة أو بشخص يتسم بالمكر والدهاء أو حتى بالخادم الذي يسرق خفية دون علانية. وحين يجتمع الرمزان في مواجهة عدائية، فإن المعنى يتجه غالباً نحو الإشارة إلى نزاع بين طبيعتين مختلفتين تماماً في التعامل، طبيعة صريحة مباشرة يمثلها الكلب، وطبيعة أكثر مكراً وخفاءً تمثلها القطة.
وقد ذهب بعض من نُقل عنهم من أهل التعبير إلى أن الصراع بين حيوانين مختلفي الطبيعة في المنام يرمز إلى نزاع بين شخصين مختلفين تماماً في أسلوب تعاملهما مع الآخرين، أحدهما يواجه بصراحة والآخر يناور بخفاء، وأن نتيجة هذا الصراع في الحلم قد تعكس أيهما سيكون له الغلبة في نزاع مشابه يقع في واقع الرائي. وذهب آخرون إلى أن هذا المشهد قد يرمز إلى صراع داخلي في نفس الرائي بين ميله للصراحة المباشرة وميله أحياناً للمناورة والحذر في التعامل مع مواقف معينة.
وتختلف الدلالة بحسب نتيجة هذه المواجهة؛ فإن انتصر الكلب على القطة، فقد يشير ذلك إلى غلبة الصراحة والمواجهة المباشرة في حل نزاع قائم، وإن انتصرت القطة، فقد يعكس ذلك أن الحيلة والمناورة ستكون لها الغلبة في هذا الموقف بالذات، وهذا لا يحمل بالضرورة معنى سلبياً، فقد تكون الحكمة أحياناً في المناورة لا في المواجهة المباشرة.
وللرائي الذي يعمل في مجال يتطلب التعامل مع أطراف متعددة الأساليب، كالتجارة أو التفاوض، قد تحمل هذه الرؤيا تنبيهاً لطيفاً لمراعاة اختلاف أساليب من يتعامل معهم، فمنهم من يحتاج المواجهة الصريحة، ومنهم من يحتاج أسلوباً أكثر لباقة ودهاءً في التعامل معه.
ومن الدقائق التي تستحق الملاحظة مكان وقوع هذا الصراع؛ فإن كان داخل بيت الرائي، فقد يشير إلى تضارب بين شخصين من أهل بيته يتسمان بطبيعتين مختلفتين تماماً في التعامل، وإن كان في مكان عام، فقد يمتد الأثر إلى دائرة أوسع من معارفه أو زملاء عمله.
ويضيف بعض من تعمّق في هذا الفن أن سبب اندلاع هذا الصراع إن ظهر في الحلم له دلالته أيضاً؛ فإن كان بسبب التنافس على طعام أو مورد محدود، فقد يشير ذلك إلى نزاع على مصلحة مادية مشتركة بين الطرفين المعنيين في الواقع، وإن اندلع دون سبب واضح، فقد يعكس ذلك خلافاً أعمق جذوره نفسية أو شخصية أكثر من كونه خلافاً على مصلحة مباشرة يمكن حصرها وتحديدها بسهولة.
وللمرأة التي ترى هذا المشهد تحديداً - نظراً لارتباط القطة بها في كثير من رموز التعبير - قد يرتبط الحلم بنزاع بينها وبين شخص آخر تختلف طريقته في التعامل معها اختلافاً جذرياً، وقد يكون هذا تنبيهاً لها لتتعامل بحكمة مع من حولها دون الانجرار إلى مواجهات غير ضرورية يمكن تجنبها بلباقة أكبر.
ومما يزيد الفهم عمقاً أيضاً ملاحظة من يبادر بالهجوم أولاً في هذا الصراع؛ فإن كان الكلب هو المبادر، فقد يشير ذلك إلى أن الطرف الصريح المباشر هو من سيثير الخلاف أولاً، بينما مبادرة القطة قد تعكس أن الطرف الأكثر دهاءً هو من سيشعل فتيل هذا النزاع في الأصل.
وللرائي الذي يجد نفسه محتاراً بين نصيحتين متعارضتين من شخصين مختلفين في الطباع، أحدهما صريح مباشر والآخر أكثر حذراً ودهاءً، قد تعكس هذه الرؤيا صراعه الداخلي في تحديد أي النصيحتين أجدر بالأخذ بها، وقد يكون الحل الأمثل أحياناً هو المزج الحكيم بين الصراحة والحذر لا الانحياز الكامل لأحدهما على حساب الآخر.
وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى القطع، فلا ينبغي أن يستبق الرائي الأحداث بأحكام قاطعة على من حوله بناءً على مجرد حلم، بل الأولى أن يتحلى بالحكمة في تعامله مع اختلاف طبائع الناس، رادّاً حقيقة الأمر كله إلى الله العليم بما تخفي الصدور وما تنطوي عليه النفوس من نيات ظاهرة وخفية.
