من الرؤى المتكررة أن يرى الرائي كلباً يفر هارباً منه بمجرد أن يقترب منه أو يحاول ملاحقته، فيولي الكلب هارباً دون أن يقاوم أو يهاجم، وقد يستمر هذا الهروب حتى يختفي الكلب تماماً عن ناظري الرائي، وهي رؤية تخالف في مضمونها رؤية الكلب المهاجم أو الملاحق، وتحمل عند كثير من النائمين شعوراً بالراحة عند الاستيقاظ منها، مع التذكير الدائم بأن هذا كله تفسير ظني اجتهادي لا حكم يقيني قاطع.
ويرى كثير من المعبرين أن هروب الكلب من الرائي يرمز إلى غلبة الرائي على عدوه أو تخلصه من أذى كان يخشاه، فإذا كان الكلب في الجملة يمثل عدواً أو صاحب كلام سيئ، فإن فراره أمام الرائي دون مواجهة يحمل دلالة على ضعف ذلك العدو الحقيقي أمام قوة الرائي أو حقه، أو على زوال ذلك الخطر وانحساره تماماً عن طريقه، وهذا من أكثر المعاني طمأنينة في هذا الباب.
ذهب بعض من نُسب إليهم القول في هذا الباب إلى أن هروب الكلب من الرائي يدل على انكسار عدوه وعجزه عن مواجهته، وأن في ذلك بشارة بزوال الهم أو الخصومة التي كانت تشغل باله، بينما أشار بعضهم إلى أن سرعة هروب الكلب وبعد اختفائه عن الأنظار قد تعكس سرعة زوال ذلك الأذى وتمام انحساره، وهذه معانٍ اجتهادية متقاربة يحسن الاستئناس بها دون الجزم بوقوعها فعلاً.
وتتفاوت الدلالة بحسب سبب الهروب الظاهر في الحلم؛ فإن هرب الكلب بمجرد رؤية الرائي دون أي فعل منه فهذا يحمل معنى أقوى في الدلالة على هيبة الرائي وقوة موقفه، أما إن هرب بعد أن طارده الرائي أو هدده فهذا يحمل معنى الغلبة بعد مواجهة لا الغلبة التلقائية، كما أن اتجاه هروب الكلب وبعده عن الرائي يضيف تفصيلاً في مدى تمام زوال ذلك الأذى المرموز إليه.
وقد يشير هذا الحلم في حق الفتاة غير المتزوجة إلى تراجع من كان يزعجها بكلامه أو تصرفاته، وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى انحسار خصومة كانت تؤرقها في محيط بيتها، وللرجل قد يدل على تراجع منافس أو خصم كان يهدد مكانته، وللحامل فقد يعكس زوال قلق كان يساورها تجاه أمر معين يخص حملها أو مستقبلها القريب.
ومن التفاصيل الدقيقة سرعة هروب الكلب وحجمه ولونه، وهل نظر خلفه أثناء هروبه أم مضى دون التفات، وهل اختفى تماماً أم بقي بعيداً في مرمى البصر، فكل هذا يضيف دقة في تحديد مدى تمام هذا التراجع المرموز إليه.
ومن التفاصيل التي يضيفها بعض المعبرين في هذا الباب أن هروب الكلب نحو جهة معينة بعينها، كأن يتجه نحو الظلام أو نحو مكان بعيد مجهول، قد يحمل دلالة على زوال ذلك الأذى إلى غير رجعة، بخلاف هروبه إلى مكان قريب ما زال في مرمى بصر الرائي، والذي قد يحمل دلالة على زوال جزئي لذلك الأذى مع احتمال عودته أو تكرر ظهوره لاحقاً بشكل أو بآخر، وهذا تفصيل يدعو الرائي إلى عدم الاطمئنان التام الزائد عن الحد رغم البشارة الظاهرة في هذه الرؤية.
كما يُلاحظ بعض من تناول هذا الباب أن شعور الرائي عقب هروب الكلب، من ارتياح تام أو من قلق خفي رغم ظاهر النجاة، له دلالته النفسية الخاصة، فالارتياح التام يعزز معنى الطمأنينة الكاملة من زوال ذلك الأذى، بينما بقاء شيء من القلق رغم الهروب الظاهر قد يشير إلى أن الرائي نفسه يشعر في داخله بأن الأمر لم ينته تماماً بعد، وهذا فارق دقيق يستحق التأمل الهادئ البعيد عن التهويل أو التهوين الزائدين.
ومن المفيد أيضاً أن يلاحظ الرائي هل كان هو من بدأ بمطاردة الكلب فعلاً أم أن الكلب فرّ من تلقاء نفسه دون أي استفزاز منه، فالفرار التلقائي غير المسبوق بمطاردة يحمل عند بعض المعبرين دلالة أقوى على ضعف ذلك العدو الحقيقي أمام مجرد وجود الرائي أو ذكر اسمه أو حقه، بخلاف الفرار بعد مطاردة فعلية طويلة والذي يحمل معنى الغلبة المكتسبة بالجهد لا الغلبة التلقائية المجانية.
ويلاحظ بعض من كتب في هذا الباب أن تكرار هذا الحلم بالذات أكثر من مرة لدى الرائي نفسه قد يعزز الثقة في معناه الإيجابي المرتبط بتكرار الغلبة على ذلك العدو، بخلاف وقوعه لمرة واحدة فقط والذي يبقى احتمالاً عابراً لا يصح تعميمه بسهولة على مجمل حياة الرائي المستقبلية.
وفي كل الأحوال، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يقيناً قاطعاً، فليحسن الرائي ظنه بربه وليشكره على ما يراه من بشائر، وليعلم أن العاقبة كلها بيد الله وحده، فهو العالم بالغيب لا يشاركه فيه أحد.
