من المشاهد التي تتكرر في المنام أن يقترب كلب من الرائي بهدوء تام ثم يلعق يده برفق دون أي مظهر من مظاهر العدائية أو الخوف، فيشعر الرائي في تلك اللحظة بشيء من الدفء أو الاستغراب الممزوج بالارتياح، وقد يستمر هذا اللعق لحظات قبل أن يبتعد الكلب أو يبقى بجانب الرائي هادئاً، وهي رؤية تحمل طابعاً ودياً مختلفاً عن مشاهد النباح أو الهجوم، ويبقى تفسيرها كغيره اجتهاداً ظنياً محتملاً لا حكماً يقينياً.
ويرى كثير من المعبرين أن لعق الكلب ليد الرائي في المنام يرمز إلى ود شخص مخلص تجاه الرائي أو إلى ولاء صادق يكنه له من هو قريب منه، فإذا كان الكلب في الجملة يمثل عند بعضهم صديقاً وفياً أو حارساً أميناً، فإن هذا اللعق اللطيف يعزز هذا الجانب الإيجابي بشكل خاص، ويحمل دلالة على تقرب ذلك الشخص من الرائي بمشاعر صادقة لا تصنع فيها ولا رياء.
نُسب إلى ابن سيرين أن مسالمة الكلب للرائي في المنام ولعقه ليده من غير أذى تدل على مودة شخص من أهل الولاء والوفاء تجاه الرائي، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هذا الفعل قد يشير أيضاً إلى خدمة يقدمها للرائي شخص من أهل الدناءة أو المكانة المتواضعة إن اعتبرنا الكلب رمزاً لذلك في بعض السياقات، وهذا تفاوت بين المعبرين يدفع الرائي إلى النظر في سياق حياته ليرجح أي المعنيين أقرب إلى واقعه.
وتتغير الدلالة بحسب شعور الرائي في تلك اللحظة؛ فارتياحه لهذا اللعق وعدم اشمئزازه منه يعزز المعنى الطيب المرتبط بالود والولاء، أما إن شعر باشمئزاز أو رغبة في سحب يده رغم هدوء الكلب، فقد يعكس ذلك تحفظاً داخلياً تجاه ذلك الشخص أو تلك العلاقة رغم ما يبديه من ود ظاهر، كما أن استمرار هذا الفعل أو توقفه المفاجئ يضيف تفصيلاً في مدى ثبات تلك المودة المرموز إليها.
وقد يشير هذا الحلم في حق الفتاة غير المتزوجة إلى تعلق شخص صادق بها يكن لها احتراماً ووداً حقيقياً، وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى تجدد الدفء والمودة في علاقتها الزوجية، وللرجل قد يدل على وفاء شريك أو صديق يثق به ويبادله هذا الوفاء، وللحامل فقد يعكس إحساسها بالرعاية والحب من محيطها القريب في هذه المرحلة الخاصة من حياتها.
ومن التفاصيل الدقيقة لون الكلب ومدى إلفته للرائي من قبل، وهل كان اللعق مصحوباً بهز الذيل أو مظاهر أخرى من الفرح، فكل هذا يعزز الطابع الإيجابي لهذه الرؤية ويوضح حجم تلك المودة المرموز إليها.
ومن الجوانب الإضافية التي تستحق الذكر في هذا الباب أن مبادرة الكلب بنفسه للاقتراب من الرائي ولعق يده، دون أن يستدعيه الرائي أو يناديه، تحمل دلالة على مودة صادقة نابعة من ذلك الشخص المرموز إليه من تلقاء نفسه لا بسبب طلب أو إلحاح من الرائي، وهذا يعزز معنى الإخلاص في تلك المودة أكثر من لو كان الرائي هو من سعى لجذب الكلب نحوه بطعام أو مداعبة مقصودة.
ويرى بعض من كتب في هذا الباب أن استمرار هذا اللعق مصحوباً بمحاولة الكلب البقاء قريباً من الرائي بعد ذلك، كأن يتبعه أو يجلس إلى جانبه، يعزز معنى استمرارية تلك المودة لا كونها لحظة عابرة سرعان ما تزول، بخلاف انصراف الكلب بعد اللعق مباشرة دون محاولة البقاء، والذي قد يحمل دلالة على مودة ظرفية مؤقتة لا علاقة راسخة طويلة الأمد.
ومن المفيد أيضاً أن يلاحظ الرائي شعوره الداخلي في اللحظة ذاتها، فإن صاحب هذا اللعق شعور بالطمأنينة والدفء القلبي الصادق، فهذا يعزز المعنى الإيجابي المرتبط بصدق تلك المودة، أما إن صاحبه شعور بالحيرة أو عدم الارتياح رغم هدوء الكلب الظاهر، فقد يحتاج الرائي إلى تأمل أعمق في طبيعة تلك العلاقة التي يرمز إليها هذا المشهد قبل الاطمئنان التام لها.
ويلاحظ بعض من كتب في هذا الباب أن وجود أشخاص آخرين يشهدون هذا المشهد الودود داخل الحلم، كأفراد من أسرة الرائي، قد يضيف بعداً اجتماعياً لتلك العلاقة المرموز إليها، بخلاف وقوعه في خلوة تامة بين الرائي والكلب وحدهما، والذي يحمل طابعاً أكثر خصوصية في تلك المودة المتبادلة بينهما.
وفي كل حال يبقى هذا التفسير مجرد اجتهاد بشري ظني قابل للصواب والخطأ، فليحمد الرائي ربه على ما يراه من مشاهد الود والدفء وليحسن الظن بالله في كل أموره، فلا يعلم حقيقة القلوب وما تخفيه إلا الله وحده.
