يجد كثير من النائمين أنفسهم في المنام يعيشون حالة خوف شديد وهلع بالغ من مجرد رؤية كلب أو أكثر من كلب، حتى لو لم يهاجمهم ذلك الكلب فعلياً أو يقترب منهم بشكل مباشر، فيتجمد الرائي في مكانه أو يهرب بأقصى ما يملك من طاقة أو يستيقظ من نومه وقلبه يخفق بشدة من هول ذلك الخوف المتخيل، وهي رؤية شائعة جداً تتكرر عند كثير من الناس بصرف النظر عن موقفهم الحقيقي تجاه الكلاب في يقظتهم، ومن الضروري التذكير دوماً بأن ما يُقال في تفسير هذه الرؤية أو غيرها إنما هو اجتهاد بشري ظني لا يخرج عن كونه احتمالاً مرجحاً لا خبراً يقينياً مقطوعاً به.
ويربط كثير ممن كتبوا في تفسير الأحلام الخوف الشديد الظاهر في المنام بحالة قلق داخلي يعيشها الرائي في يقظته تجاه أمر ما، وقد يكون الكلب في هذا السياق رمزاً لعدو حقيقي يخشاه الرائي فعلاً، أو لمصدر خطر معنوي كخوفه من الفشل أو من كلام الناس أو من موقف يتهيب مواجهته، فالخوف من الكلب هنا قد يكون أبلغ دلالة من الكلب نفسه، إذ يعكس حجم القلق الكامن في نفس الرائي أكثر مما يصف طبيعة ذلك الخطر بعينه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخوف من الكلب في المنام قد يدل على خوف حقيقي من عدو أو من أمر يتهيبه الرائي في يقظته، وذهب بعض من جاء بعده إلى أن شدة الخوف في الحلم قد تعادل شدة القلق الذي يخفيه الرائي في نفسه عن أمر يشغل باله، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن زوال الخوف داخل الحلم نفسه، كأن يهدأ الكلب فجأة أو يبتعد الرائي عنه بسلام، قد يبشر بزوال ذلك القلق أو انفراج ذلك الأمر الذي كان يخشاه.
وتختلف الدلالة بحسب مآل هذا الخوف في الحلم؛ فإن انتهى الحلم بنجاة الرائي وزوال الخطر فهذا يحمل عند بعضهم بشارة بزوال القلق وانفراج الأمر، أما إن استمر الخوف دون حل حتى استيقاظ الرائي فقد يعكس ذلك استمرار الهم في يقظته وحاجته إلى مواجهة مصدر قلقه بدل الهروب منه، كما أن عدد الكلاب المخيفة، وقربها من الرائي، وسكونها أو هياجها، كلها عناصر تُغيّر من حجم الدلالة المرجحة لهذه الرؤية.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير هذا الخوف إلى قلقها من خطوة قادمة في حياتها كالزواج أو تغيير كبير تتهيبه، وللمرأة المتزوجة قد يعكس قلقاً من مسؤولية جديدة أو خلاف تخشى وقوعه في بيتها، وللرجل قد يدل على خوفه من منافس أو من موقف يتهيب مواجهته في عمله، وللحامل فقد يعكس بشكل خاص قلقها الطبيعي والمشروع تجاه الولادة القادمة وسلامة جنينها، وهو قلق نفسي مفهوم أكثر منه نذيراً حقيقياً بمكروه.
ومن التفاصيل الدقيقة في هذا الباب طريقة تعامل الرائي مع خوفه، فمحاولته السيطرة على نفسه ومواجهة الكلب بهدوء تحمل دلالة مغايرة لهروبه المذعور التام، كما أن استغاثته بالله أو بذكره داخل الحلم نفسه، إن حدث ذلك، يحمل عند بعضهم معنى طيباً يوحي بلجوئه الفطري إلى ربه وقت الشدة.
ومن الفروق الدقيقة أيضاً مكان وقوع هذا الخوف؛ فإن كان الرائي يشعر بالخوف من الكلاب وهو خارج بيته في مكان عام فقد يرمز ذلك إلى قلق متعلق بمحيطه الاجتماعي أو العملي الواسع، أما إن كان الخوف داخل بيته نفسه فقد يشير إلى قلق أقرب إلى محيطه الأسري الخاص، وهذا تفصيل يستحق أن يتأمله الرائي بصدق مع نفسه ليربط الرؤية بواقعه الحقيقي أكثر من الاكتفاء بظاهر المشهد وحده.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن تكرار رؤية الخوف من الكلاب في أكثر من مناسبة قد يحمل دلالة أقوى من رؤيتها لمرة واحدة عابرة، إذ يرى بعض المعبرين أن تكرار الرمز نفسه في منامات متعددة يعكس استمرار ذلك القلق في نفس الرائي وحاجته الفعلية لمواجهته بدل تجاهله أو الهروب منه مرة بعد أخرى، وهذا من الملاحظات النفسية المفيدة التي يحسن بالرائي الانتباه إليها.
ومن المفيد أيضاً أن يفرّق الرائي بين خوفه من كلب بعينه واضح الملامح وبين خوفه من مجرد فكرة وجود كلب في المكان دون أن يراه فعلياً، فالخوف من مصدر واضح محدد يحمل دلالة أدق وأقرب إلى عدو أو أمر بعينه يسهل تحديده في يقظة الرائي، بخلاف الخوف العام المبهم الذي قد يعكس قلقاً شاملاً غير مرتبط بسبب واضح، وهذا تفصيل نفسي يستحق تأملاً هادئاً عند محاولة فهم مصدر ذلك القلق الحقيقي في حياة الرائي اليومية.
وفي كل الأحوال يبقى هذا كله من قبيل الظن الغالب لا القطع اليقيني، فلا ينبغي أن يتحول هذا الخوف المتخيل في المنام إلى قلق حقيقي في اليقظة، بل الأولى بالرائي أن يهدئ نفسه ويتوكل على الله ويحسن الظن به سبحانه، فهو وحده العالم بالغيب وما تخبئه الأيام.
