يرى بعض النائمين في منامهم كلباً يقوم بدور الحارس، لكنه يندفع فجأة لمهاجمة شخص غريب اقترب من الرائي أو من منزله بطريقة مريبة، دون أن يوجه الكلب أي عدوان نحو الرائي نفسه طوال المشهد، بل يكون كل غضبه وشراسته موجهين نحو ذلك الغريب المقتحم وحده دون سواه، وهذه الرؤية تختلف اختلافاً جوهرياً عن رؤية الكلب المهاجم للرائي نفسه في مشاهد أخرى، إذ يقف الرائي هنا في موقع المحمي المطمئن لا المستهدف الخائف، وهذا يضفي على الرؤية طابعاً مختلفاً تماماً يستحق تفسيراً خاصاً بها لا يُقاس على غيره من رؤى الهجوم المباشر التي تخيف الرائي نفسه.
ويرى كثير من المعبرين أن هذا النوع من المشاهد يرمز غالباً إلى وجود من يدافع عن الرائي في وجه من يتربص به من الأعداء أو الخصوم، سواء كان ذلك شخصاً حقيقياً يحميه بلا علمه الكامل، أو قوة معنوية من عدالة أو نظام يحفظه من عدوان الآخرين دون أن يدري بذلك، وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية من أوضح الرؤى دلالة على أن الرائي محاط برعاية لا يشعر بها دائماً في يقظته المعتادة، وأن ما يبدو له أحياناً من تهديدات خارجية يُصد عنه من حيث لا يعلم بفضل تلك الحماية الخفية التي يمن الله بها عليه دون أن يستشعرها بوضوح كافٍ.
ونُسب إلى ابن سيرين أن دفاع الحيوان الأليف عن صاحبه في المنام يدل على نصرة حقيقية يلقاها الرائي من عون قريب منه في وقت لا يتوقعه، وأن توجه الأذى نحو الغريب دون الرائي يعكس سلامة الرائي من ذلك الأذى بفضل تلك النصرة القائمة، بينما ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هوية ذلك الغريب المهاجَم في الحلم، إن أمكن تمييز ملامحه أو شكله العام، قد تحمل دلالة إضافية على مصدر ذلك التهديد الذي دُفع عن الرائي بفضل الله ثم بفضل هذا العون، وهذه أقوال اجتهادية متعددة تتفق على المعنى العام للحماية والنصرة في هذا النوع من الرؤى المطمئنة رغم ما قد يحمله ظاهرها من عنف.
وتتفاوت الدلالة بحسب شدة هجوم الكلب على ذلك الغريب؛ فكلما كان الهجوم حاسماً قوياً دلّ ذلك على قوة تلك الحماية وفاعليتها التامة في دفع الأذى بالكامل، وإن كان الهجوم محدوداً واكتفى الكلب بإبعاد الغريب دون أذى بالغ فقد يشير ذلك إلى حماية كافية دون الحاجة لمواجهة شديدة أو صدام حقيقي، كما أن رد فعل ذلك الغريب في الحلم، من فرار سريع أو إصرار على الاقتراب رغم الهجوم، يضيف بعداً آخر يعكس مدى إلحاح ذلك التهديد المرموز إليه في واقع حياة الرائي اليومية.
وفي حق الفتاة غير المتزوجة قد يشير هذا الحلم إلى حماية أهلها لها من محاولات تقرب غير محمودة أو من نظرات لا تليق بها، وفي حق المرأة المتزوجة قد يرمز إلى دفاع زوجها عنها في وجه من يحاول الإساءة إليها أو التدخل في شؤون بيتها، أما الرجل فقد يدل الحلم على نصرة يلقاها من صديق مخلص في مواجهة خصومه ومنافسيه، وبالنسبة للحامل فقد يعكس شعورها بأن من حولها يحمونها من كل ما قد يقلقها في هذه المرحلة الحساسة من حياتها، وهذا شعور طبيعي يستحق التقدير لا القلق منه.
ومن التفاصيل الدقيقة هوية الغريب المهاجَم إن تبينت للرائي، وشدة الهجوم ونتيجته، ومكان وقوع المشهد من قرب المنزل أو بعيداً عنه، فهذه العناصر تسهم في تحديد طبيعة ذلك التهديد المدفوع عن الرائي وحجم تلك الحماية التي ينعم بها دون أن يشعر بها دائماً بوضوح كافٍ في يقظته.
ويلاحظ بعض من كتب في هذا الباب أثر موقف الرائي نفسه من هذا الهجوم، فهل شعر بالارتياح لرؤية الكلب يدافع عنه أم شعر بشيء من التعاطف مع ذلك الغريب رغم كونه المعتدي في ظاهر المشهد، إذ قد يعكس هذا التعاطف غير المتوقع رغبة داخلية لدى الرائي في التصالح مع من يخاصمه بدلاً من الاستمرار في المواجهة، وهو بعد نفسي إضافي يستحق تأملاً صادقاً من الرائي في نفسه بعيداً عن ظاهر أحداث الحلم وحده.
وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى اليقين مهما بدا واضح المعنى، والأولى بالرائي أن يشكر الله على ما ينعم به من حماية ظاهرة أو خفية في حياته، وأن يحسن الظن بربه في كل حال يمر بها، فهو سبحانه الحافظ الحقيقي وحده لا شريك له في ذلك، ولا يعلم الغيب أحد سواه سبحانه وتعالى.
