تُعد رؤية كلب يهرب من قطة في المنام من الصور غير المألوفة التي قد تلفت انتباه الرائي لغرابتها، إذ يتوقع الذهن أن يكون الكلب هو الطرف الأقوى في مثل هذا المشهد، فإذا انعكست الصورة وظهر الكلب فاراً خائفاً من قطة أثار ذلك تساؤلات كثيرة عما يحمله المنام من دلالة. وقبل الخوض في أي تأويل، ينبغي التذكير دائماً بأن تفسير الأحلام علم ظني اجتهادي، وأن ما يُقال فيه إشارات محتملة لا أحكام قطعية ولا كشف عن غيب، فلا يجوز البناء عليه في اتخاذ قرار أو الجزم بأمر مستقبلي.
وقد جرت عادة كثير من المفسرين على ربط الكلب في المنام بمعانٍ متعددة، فتارة يكون رمزاً لعدو يُسمع صوته وصخبه دون أن يصل أذاه إلى الرائي، وتارة يكون إشارة إلى شخص ذي خلق متدنٍّ أو منزلة وضيعة بحسب بعض الآراء القديمة، وتارة أخرى يرمز إلى الحارس اليقظ أو الصديق الوفي الذي يذود عن صاحبه. وحين يُضاف إلى هذا الرمز مشهد الهروب من قطة، فإن كثيرين يميلون إلى قراءته على أنه انكشاف لضعف كان مستتراً، أو تراجع طرف كان يُظن قوياً أمام خصم أهون منه.
نُسب إلى ابن سيرين أنه اعتبر نباح الكلب أقرب إلى كلام العدو الذي لا يتجاوز أذاه اللسان، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن هروب الكلب من حيوان أضعف منه قد يدل على انكشاف عورة الخصم وتراجعه عن مواجهة كان يُظن أنه قادر عليها. ومع ذلك تبقى هذه الأقوال اجتهادات بشرية متفاوتة، فبعض المفسرين لم يتعرضوا لهذه الصورة بعينها، وإنما استنبطوها قياساً على أصول عامة في تفسير مشاهد الكلاب، فلا ينبغي التعامل معها على أنها نص قاطع.
وتتغير دلالة هذا المشهد بحسب تفاصيله؛ فلون الكلب وحجمه، وهل كانت القطة مألوفة للرائي أم غريبة عنه، وهل صاحب الهروب صوت نباح أو صمت، كل ذلك يضيف بعداً إضافياً للتأويل. كذلك فإن شعور الرائي أثناء الحلم، هل كان متعجباً أم مرتاحاً أم قلقاً، يُعتد به عند كثير ممن يشتغلون بهذا الفن، إذ يرون أن المشاعر المصاحبة للمشهد قد تكون أدل على المعنى من تفاصيل المشهد نفسه.
فأما بالنسبة للفتاة غير المتزوجة، فقد يشير هذا المنام إلى تراجع شخص كانت تشعر بإزعاجه أو إلحاحه عليها، وانحساره من تلقاء نفسه دون أن تبذل هي جهداً في ذلك. وأما بالنسبة للمرأة المتزوجة، فيمكن أن يحمل معنى انفضاض خصومة أو وشاية كانت تؤرقها، وظهور ضعف من كان سبباً فيها. وأما بالنسبة للرجل، فقد يرمز إلى تراجع منافس أو خصم في عمله أو حياته عن مواجهة كان يستعد لها، وانكشاف أن قوته كانت أضعف مما بدت عليه. وأما الحامل، فلا حاجة بها للانزعاج من مثل هذا المشهد، إذ لا يحمل في غالب الأحوال أي إشارة إلى مكروه يخصها أو يخص جنينها.
ومما يُنظر إليه في تدقيق هذا التأويل عدد الكلاب إن كان أكثر من واحد، ولون الكلب فالأسود يُحمل أحياناً على معنى أشد من الأبيض أو الأشقر، والمكان الذي وقع فيه المشهد كالبيت أو الشارع، وهل انتهى الهروب باختفاء الكلب أم بقي في مرمى البصر، فكل هذه التفاصيل تصقل المعنى العام دون أن تُغيّره جذرياً.
وفي كل الأحوال، يبقى هذا التفسير وأمثاله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى اليقين، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار أو مصدراً للقلق أو الطمأنينة المطلقة. والأولى بالرائي أن يستقبل ما يراه بحسن الظن بالله والدعاء بالخير، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا نوافذ محتملة لا كتب مسطورة.
ومن المفيد أن يستحضر الرائي أن كثيراً من الحكايات والأمثال العربية القديمة تدور حول هذا المعنى بالذات، أن الظاهر القوي قد يخفي جبناً داخلياً حقيقياً، وأن المواجهة الجريئة ولو كانت من طرف أضعف قد تكشف زيف القوة المدعاة. فإذا كان الرائي يواجه في يقظته من يخيفه بصوته العالي أو تهديداته المتكررة، فقد يكون في هذا المنام تشجيع ضمني على الثبات وعدم الاستسلام للرهبة الأولى، إذ كثيراً ما ينكشف ضعف من يتوعد بمجرد مواجهته بثبات. وقد ورد في هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا الحسنة تستحق أن يحدث بها الرائي من يحب، وأن يحمد الله عليها، فإن كان هذا المشهد مما يسر رؤيته فلا بأس من مشاركته مع أهل الثقة والصلاح.
ومن المفيد أيضاً أن يقارن الرائي بين هذا المشهد وبين نقيضه، وهو مشهد كلب يهاجم قطة بضراوة، فالمقارنة بين الصورتين تُظهر أن غلبة الطرف المتوقع ضعفه على الطرف المتوقع قوته هي جوهر الرسالة في كلا الحالتين، وأن العبرة ليست في هوية الحيوانين بقدر ما هي في انعكاس موازين القوة المعتادة. وهذا مبدأ عام يفيد الرائي في قراءة كثير من مشاهد الحيوانات المتقابلة في الأحلام، إذ يُقاس المعنى غالباً بالمقارنة النسبية بين طرفي المشهد لا بكل طرف على حدة.
