يرى بعض النائمين في منامهم عدداً كبيراً من الكلاب الشاردة تتجمع في مكان واحد، سواء في شارع أو ساحة أو حول بيت الرائي، دون أن يكون لها صاحب واضح أو مكان محدد تنتمي إليه، وقد تتصرف هذه الكلاب بشكل عشوائي، بين هادئ وصاخب، وبين قريب وبعيد عن الرائي، وهي رؤية مقلقة عند كثيرين لكثرة عدد الكلاب فيها، مع بقاء التذكير الضروري بأن هذا كله تفسير ظني اجتهادي لا خبر يقيني قاطع.
ويربط كثير من المعبرين كثرة الكلاب الشاردة في المنام بكثرة الأعداء أو أصحاب الكلام السيئ المنتشرين حول الرائي دون أن يكون لهم هدف واحد محدد أو تنظيم واضح، فهي فوضى من الخصومات أو الأقاويل المتفرقة أكثر منها عداوة واحدة مركزة، وقد يرى بعضهم فيها أيضاً رمزاً لبيئة مضطربة يعيشها الرائي مليئة بالمتاعب الصغيرة المتناثرة التي لا تشكل خطراً كبيراً بمفردها لكنها تثقل النفس بكثرتها.
ذهب بعض من كتب في هذا الباب إلى أن كثرة الكلاب الشاردة في المنام تدل على كثرة أهل السوء من حول الرائي، وأن تجنبه لها ومروره بسلام دونها يحمل معنى النجاة من شرورهم مجتمعين، بينما أشار بعضهم إلى أن هذه الكثرة قد ترمز أيضاً إلى بيئة عامة مضطربة أو مكان يكثر فيه أهل الفساد والانحراف عن السلوك القويم، وهذه معانٍ اجتهادية متفاوتة تحتاج تأملاً في سياق حياة الرائي ليرجح أقربها لواقعه.
وتتفاوت الدلالة بحسب سلوك هذه الكلاب مجتمعة؛ فهدوؤها وعدم اقترابها من الرائي يخفف من وطأة هذا المعنى المقلق، بينما تجمعها حوله أو ملاحقتها له يعزز معنى الخطر المحدق من كل جانب، كما أن نجاح الرائي في تجاوزها والوصول إلى مكان آمن يحمل بشارة بتجاوزه لتلك المتاعب مهما كثرت، بخلاف عجزه عن ذلك الذي قد يعكس شعوراً بالإرهاق أمام كثرة الضغوط المحيطة به.
وقد تشير هذه الرؤية في حق الفتاة غير المتزوجة إلى كثرة من يتحدثون عنها بسوء دون أن يشكلوا خطراً حقيقياً عليها، وللمرأة المتزوجة قد ترمز إلى كثرة المتاعب الصغيرة المحيطة ببيتها التي تحتاج صبراً وحكمة، وللرجل قد تدل على كثرة المنافسين أو الخصوم في محيط عمله، وللحامل فقد تعكس كثرة همومها ومسؤولياتها المتزايدة في هذه المرحلة من حياتها.
ومن التفاصيل الدقيقة ألوان هذه الكلاب وأحجامها المتفاوتة، ومدى تنظيم تحركها أم فوضويتها التامة، وهل كانت جميعها في اتجاه واحد نحو الرائي أم متفرقة لا تلقي له بالاً، فهذا يسهم في تحديد حجم الخطر الحقيقي المرموز إليه من عدمه.
ومن الجوانب الإضافية التي تستحق الذكر في هذا الباب تفاعل الكلاب الشاردة فيما بينها داخل الحلم؛ فإن كانت منشغلة ببعضها البعض دون أن تلتفت إلى الرائي أصلاً، فهذا يخفف كثيراً من وطأة هذا المشهد المزدحم، أما إن كانت جميعها تتجه بانتباه نحو الرائي وكأنها تلاحظ وجوده بشكل جماعي، فهذا يعزز معنى الشعور بالاستهداف من جهات متعددة في آن واحد، وهو فارق دقيق يستحق ملاحظته عند تذكر تفاصيل هذا الحلم المزدحم بالكلاب.
ويرى بعض من كتب في هذا الباب أن وجود مكان آمن يلجأ إليه الرائي أثناء الحلم، كبيت مغلق أو سيارة يحتمي بها من هذه الكلاب الكثيرة، يحمل دلالة طيبة على وجود ملاذ حقيقي يعتمد عليه في مواجهة كثرة همومه أو خصومه في يقظته، بخلاف بقائه مكشوفاً تماماً وسط هذا الحشد دون أي ملجأ يحتمي به، والذي قد يعكس شعوراً أعمق بالضعف أمام كثرة الضغوط المحيطة به في تلك الفترة من حياته.
ومن المفيد أيضاً أن يلاحظ الرائي وجود أي إنسان آخر معه في هذا المشهد المزدحم يشاركه مواجهة هذه الكلاب الكثيرة، فوجود رفقة تؤازره يخفف من وطأة الشعور بالوحدة أمام كثرة الضغوط، بخلاف مواجهته لهذا الحشد بمفرده تماماً دون أي سند بشري ظاهر في الحلم، والذي قد يعكس شعوراً أعمق بالعزلة أمام كثرة متاعبه في تلك الفترة من حياته.
ويشير بعض من كتب في هذا الباب أيضاً إلى أن اتجاه حركة هذه الكلاب مجتمعة، نحو الرائي أو بعيداً عنه أو في اتجاه عشوائي متفرق، يضيف تفصيلاً مهماً لفهم ما إذا كانت هذه المتاعب تتجه فعلاً نحو الرائي بقصد أو أنها مجرد فوضى عامة لا تستهدفه بعينه من بين الجميع.
وفي الختام، يبقى هذا التفسير احتمالاً ظنياً قابلاً للنقاش لا حكماً قاطعاً، فليتوكل الرائي على الله ويحسن الظن به مهما كثرت المتاعب من حوله، فالله كافيه شرها جميعاً وهو وحده العالم بما يخفيه الغيب.
