يسمع بعض النائمين في منامهم صوت نباح كلب عالٍ متواصل يكاد يملأ أرجاء المشهد كله، سواء رأوا الكلب بوضوح تام أم كان الصوت وحده هو ما يغلب على مجريات الحلم دون رؤية واضحة لمصدره، وقد يستمر هذا النباح فترة طويلة نسبياً داخل الحلم حتى يشعر الرائي بإزعاج واضح منه يعكر عليه صفو منامه، وهي رؤية شائعة جداً يشترك في تكرارها كثيرون من مختلف الأعمار والبيئات، ومع ذلك فإن التعامل معها يجب أن يكون دوماً من باب الرمز المحتمل لا الخبر اليقيني القاطع، فتفسير الأحلام علم ظني اجتهادي بطبيعته كما هو معلوم ومقرر عند أهل هذا الفن قديماً وحديثاً.
ويكاد يتفق كثير من المعبرين على أن نباح الكلب في المنام يرمز في الغالب إلى كلام عدو أو خصم يوجهه للرائي دون أن يبلغ ذلك حد الأذى الفعلي الملموس، فالنباح صوت وصخب لا فعل مباشر، ومن هنا فسر كثيرون هذه الرؤية بأنها إشارة إلى شخص يتحدث بسوء عن الرائي أو ينتقده دون أن يملك قدرة حقيقية على إيذائه في واقعه، وهذا من أكثر المعاني المتفق عليها نسبياً بين من كتبوا في تفسير رؤية الكلاب عموماً.
ونُسب إلى ابن سيرين قوله المشهور في هذا الباب إن نُباح الكلب صخب عدو لا يضر، وهي عبارة موجزة تناقلها كثير ممن جاء بعده من المعبرين واعتمدوا عليها اعتماداً واسعاً في تفسير هذا النوع الشائع من الرؤى المتعلقة بالكلاب، بينما أضاف النابلسي في بعض ما نُقل عنه أن شدة النباح وطول مدته المستمرة قد يعكسان شدة ذلك الكلام وإلحاحه المتكرر لا خطورته الفعلية على الرائي، وهذه أقوال اجتهادية اتفقت في مجملها رغم اختلاف عباراتها على أن النباح المجرد يبقى أخف وطأة بكثير من العض أو الهجوم الفعلي المباشر مهما بدا مزعجاً ومقلقاً في لحظة الحلم نفسها.
وتتفاوت الدلالة بشكل واضح بحسب طبيعة النباح؛ فالنباح المتقطع الخفيف يختلف تماماً عن الزمجرة المستمرة الحادة التي لا تكاد تتوقف، كما أن عدد الكلاب النابحة له أثر بارز في المعنى المستخلص، فكلب واحد ينبح بمفرده يختلف عن مجموعة تنبح معاً في وقت واحد وكأنها تحيط بالرائي من كل جانب دون مهرب، وقرب مصدر الصوت أو بعده عن الرائي يضيف بعداً آخر مهماً، فالنباح القريب المباشر الذي يكاد يلامس أذن الرائي قد يوحي بكلام موجه شخصياً وبشكل مباشر إليه، بخلاف نباح بعيد يُسمع من مسافة قد لا يخصه مباشرة بقدر ما يعكس أجواء عامة من التوتر والصخب حوله دون استهداف مباشر لشخصه.
وفي حق الفتاة غير المتزوجة قد يشير النباح العالي إلى كلام مسيء يبلغها عن نفسها من شخص لا يعنيها رأيه حقيقة ولا يستحق منها اهتماماً أو رداً، وفي حق المرأة المتزوجة قد يرمز إلى انتقادات من محيطها الأسري لا تستحق الانشغال بها كثيراً أو تصديقها دون تمحيص، أما الرجل فقد يدل الحلم على منافس يتحدث عنه بسوء في محيط عمله دون أن يقدر فعلياً على إلحاق ضرر حقيقي به مهما علا صوته، وبالنسبة للحامل فقد يعكس حساسيتها الزائدة الطبيعية تجاه كلام الآخرين في هذه المرحلة الحساسة من حياتها، وهي حساسية تزول غالباً بعد انتهاء فترة الحمل.
ومن التفاصيل الدقيقة زمن النباح من ليل أو نهار، ومدى قربه من الرائي، وهل توقف فجأة أم استمر حتى نهاية الحلم، فهذه العناصر تسهم في توضيح حجم وطبيعة ذلك الكلام المرموز إليه أكثر من الاكتفاء بصورة النباح المجردة.
ومن المفيد كذلك ملاحظة رد فعل الرائي تجاه هذا النباح في الحلم، فتجاهله له وعدم اكتراثه به قد يعكس عند بعض المعبرين قوة شخصيته في مواجهة الكلام السيئ وعدم تأثره به مهما اشتد، بخلاف انزعاجه الشديد ومحاولته إسكات الكلب أو الهروب من صوته بأي وسيلة، وهو ما قد يشير إلى تأثره الفعلي بما يقال عنه في واقعه رغم عدم وجود ضرر حقيقي وارد من هذا الكلام أصلاً، وهذا فارق نفسي مهم يستحق أن يتأمله الرائي في نفسه بصدق.
ومن الفروق الدقيقة التي يشير إليها بعض من كتب في هذا الباب التفريق بين نباح كلب مألوف يعرفه الرائي، كالكلب الذي يربيه هو أو أحد جيرانه أو أقاربه، وبين نباح كلب غريب تماماً لا صلة للرائي به ولا معرفة سابقة له بصاحبه؛ فالنباح الصادر عن كلب مألوف قد يُحمل عند بعضهم على كلام قريب أو معروف يجرح مشاعر الرائي رغم إلفته له وقربه منه، بينما نباح الكلب الغريب يُنسب غالباً إلى شخص بعيد عن دائرة معارفه المباشرة لا يجمعه به رابط وثيق ولا معرفة سابقة. ويضاف إلى هذا اعتبار مكان صدور النباح؛ فإن كان صادراً من داخل بيت الرائي نفسه فقد يرمز عند بعضهم إلى كلام يصدر من داخل محيطه الأسري القريب يستحق تأملاً هادئاً، أما إن كان مصدره خارج البيت في الشارع أو مكان عام فقد يوحي بأن مصدر ذلك الكلام أبعد من دائرته الخاصة وأقل تأثيراً على حياته اليومية، وهذا كله اجتهاد تقريبي محتمل يقبل الأخذ والرد ولا يصح الجزم به.
وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى اليقين، فلا ينبغي أن ينشغل الرائي بكلام الناس أو يقلقه، والأولى به أن يتوكل على الله ويحسن الظن به، فهو سبحانه العالم بما يخفيه الناس من كلام وما يظهرونه، ولا يعلم الغيب أحد سواه.
