قد يرى النائم في منامه حمارًا يبكي أو تدمع عيناه أو يصدر صوتًا حزينًا، فيستيقظ وفي نفسه رقة وتساؤل عن معنى هذا المشهد المؤثر. والأصل أن الأحلام رموز وإشارات تحتمل أكثر من وجه، وليست وقائع حرفية ولا أخبارًا يقينية عن المستقبل، ولا ينبغي أن تُوقع في الهم. وكثيرًا ما تعبّر مشاهد البكاء في المنام عن مشاعر مكبوتة أو عن حاجة إلى تفريغ التعب. ولذلك فإن ما يُذكر هنا قراءات عامة للتأمل لا أكثر. ويحسن أخذ ما يناسب حال الرائي وترك ما لا يناسبه.
في الرمزية العامة يُنظر إلى الحمار على أنه رمز للصبر وحمل الأثقال والعمل المتواصل، ويُنظر إلى بكائه على أنه إظهار لما يُكتم من تعب بعد طول احتمال. وعليه فإن حمارًا يبكي قد يُقرأ عند بعضهم على أنه إشارة إلى ثقل أعباء يحملها الرائي بصمت، أو إلى حاجة إلى من يلتفت إلى ما يحمله. وقد يُقرأ كذلك على أنه شفقة الرائي على نفسه أو على من يشبه حاله. وهو استئناس رمزي لا دليل قاطع عليه، وتبقى الصورة مجردة لا تُتخذ وصفًا لأحد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحمار يدل على منفعة بعد تعب وعلى خدمة وسفر، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من ذلك. أما بكاء الحمار على وجه التحديد فهو من التفاصيل الأقل شيوعًا والأقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك لا يصح أن يُنسب إلى المفسرين الأوائل قول صريح فيه. ويغلب في هذا الباب الاجتهاد القائم على القياس على معنى البكاء بوصفه تفريغًا للثقل. وتختلف الآراء اختلافًا واسعًا ولا ينبغي أن يُبنى عليها قرار حاسم.
وللسياق أثره، فبكاء الحمار الهادئ الذي يعقبه سكون قد يُقرأ عند بعضهم على أنه تنفيس يتبعه ارتياح، وبكاؤه المصحوب بنهيق مرتفع قد يُقرأ على أنه انزعاج من ضغط مستمر. وإذا كان الحمار وحيدًا فقد يُقرأ على أنه شعور بالوحدة، وإذا كان بين آخرين فقد يُقرأ على أنه حاجة إلى فهمهم. والشعور المصاحب للحلم من حزن أو شفقة أو ارتياح من أهم ما يُنظر فيه. وتذكر ما سبق الحلم من مواقف مؤثرة يوضح كثيرًا من مصدره.
وبحسب حال الرائي قد تتغير القراءة، فالمرأة المتزوجة قد تربطه بأعباء البيت التي تحملها بصمت، والعامل قد يربطه بإرهاق عمله، والطالب قد يربطه بضغط المذاكرة. وأما المهموم فقد يربطه بحاجته إلى من يسمع شكواه. وهذه كلها استئناسات تتفاوت بين شخص وآخر، ولا قاعدة ثابتة فيها. والأحسن أن يُنظر إلى واقع الرائي قبل استعارة تفسير جاهز، فالمعنى يتأثر كثيرًا بالظروف الشخصية.
وإذا كان الحمار يبكي بعد حمل ثقيل فقد يُقرأ عند بعضهم على أنه تنبيه إلى تخفيف الأحمال، وإذا كان يبكي دون سبب ظاهر فقد يُقرأ على أنه تعب نفسي غير محدد. وإذا مسح الرائي على الحمار وهدّأه فقد يُقرأ على رفق بالنفس وبالآخرين، وإذا أطعمه وسقاه فقد يُقرأ على عناية بما يحتاجه. وإذا توقف البكاء فقد يُقرأ على زوال الضيق مع الوقت. وكل هذا من باب التفاصيل التي يغلب عليها الاحتمال، ولا يجوز التعامل معها كحقائق.
وقد يتصل الحلم بحاجة الرائي إلى الاعتراف بتعبه وعدم كتمانه، فقد يكون العقل يعبّر عن ثقل لم يُتح له الكلام. فإن كان البكاء هادئًا قُرئ ذلك على تنفيس صحي، وإن كان شديدًا قُرئ على حاجة إلى تفريغ أكبر وعون من المقربين. ولا يصح أن يُفهم من الحلم أن مصيبة ستقع، فالأحلام لا تصلح دليلًا على الغيب. والأنفع أن يُترجم إلى الحديث مع شخص موثوق عمّا يثقل الرائي.
ومن الجهة العملية والنفسية، فالأحلام المصحوبة بالبكاء تتكرر عند من يمرون بضغوط أو حزن أو إرهاق، وهذا شائع. وفي هذه الحال يفيد تخصيص وقت للراحة، والتحدث مع المقربين، والاهتمام بالنوم والغذاء، والمشي في الهواء الطلق، وتقسيم الأحمال الثقيلة إلى خطوات صغيرة. وإن تكرر الحلم أو أثّر في المزاج واليوم فاستشارة مختص نفسي أمر مناسب، فالحلم ليس نصيحة طبية. والبكاء في الواقع أحيانًا يكون راحة، فلا حرج في طلب الدعم.
ويحسن بالرائي ألّا يعطي الحلم أكبر من حجمه، فكثير من الأحلام الحزينة تكون من حديث النفس وتزول مع الأيام. وإن شعر بحزن بعد الحلم فليصرف باله عنه وينشغل بما يخفف عنه، وليحدّث من يثق به. وإن ارتاح فليحمد الله. ومن المفيد أن يقدّر جهده وما يحمله، وألا يقسو على نفسه.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع بحدوث شيء. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بتفريج الهم وراحة البال وجبر الخاطر. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والأمور كلها بيده سبحانه. نسأل الله له السكينة والطمأنينة وحسن العاقبة.
