قد يرى الحزين أو المهموم الحمار في منامه فيجد في الصورة ما يشبه حاله من ثقل الأحمال وطول الطريق. والأصل أن الأحلام رموز وإشارات تحتمل أكثر من وجه، وليست أخبارًا يقينية عن الغد، ولا ينبغي أن تزيد الهم هما. وكثيرًا ما تكون الرؤى صدى لما يشغل النفس ويثقل الصدر خلال النهار. ولذلك فإن ما يُذكر هنا قراءات عامة تهدف إلى التأمل والتخفيف لا إلى التخويف. ويحسن أخذ ما يريح ويلائم الحال وترك ما سواه.
في الرمزية العامة يُنظر إلى الحمار على أنه رمز للصبر وحمل الأثقال والمواصلة على الطريق رغم المشقة. وقد يشير في الحلم إلى أحمال نفسية تُحمل في صمت، أو إلى حاجة إلى نفس طويل وتحمل متدرج. وقد يُنظر إليه من جهة الثبات والعناد، فيدل على إصرار على المضي أو على موقف يحتاج إلى لين. وهو رمز مجرد لا يُراد به الانتقاص من أحد، ولا يصح أن يُوصف به الحزين أو غيره. ويبقى لحال الحمار وسلوكه الأثر الأكبر في الدلالة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحمار قد يدل على منفعة بعد تعب وعلى خدمة وسفر، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة. وتتباين الآراء بين من يرى في الحمار علامة على سعة بعد مشقة ومن يراه علامة على عناء يُحتمل. أما ما يخص الحزين والمهموم بعينه فهو أقل تناولًا في الكتب القديمة، ولذلك يغلب فيه الاجتهاد على النقل الصريح. ولا ينبغي أن يُبنى على هذه النقول يقين بانفراج قريب أو بعيد، فهي إشارات موروثة تُقرأ بحذر.
وللسياق أثره، فالحمار الهادئ في مكان آمن قد يُقرأ على أنه سكينة تقترب، والحمار المتعب قد يُقرأ على أنه انعكاس لما يحمله الرائي من إنهاك. وإذا ظهر الحمار في بيت الرائي فقد يتصل المعنى بما يشغله من شؤون الأسرة، وإذا ظهر في طريق فقد يتصل بمرحلة يعبرها. والشعور بعد الاستيقاظ من أهم ما يُنظر إليه، فالحمل الخفيف يميل إلى الأمل، والحمل الثقيل يميل إلى التنبيه على أخذ قسط من الراحة. وتذكر الأحداث الأخيرة يوضح كثيرًا من مصدر الحلم.
وللمهموم قيل في بعض القراءات إن الحمار الهادئ القوي قد يدل على قدرة على الاحتمال وعلى معين يقف بجانبه. وقد يُقرأ الحمار الذي يحمل متاعًا ثم يضعه على أنه تخفف من بعض الأعباء، وقد يُقرأ الحمار الذي يسير أمامه على أنه طريق يتضح شيئًا فشيئًا. وفي المقابل قد يُفهم الحمار الواقف أو العالق على أنه شعور بالجمود يحتاج إلى حديث وفضفضة. وهذه الدلالات احتمالات لا تُجزم، ولا تُغني عن الاهتمام بالنفس.
وقد يتصل الحلم بمشاعر الحزن الممتدة وما تفرضه من أعباء على الحياة اليومية، فيظهر الحمار رمزًا لهذه الأحمال. فإن ظهر مطيعًا قُرئ ذلك على قبول تدريجي للمرحلة، وإن ظهر معاندًا قُرئ على مقاومة داخلية تحتاج إلى سكينة وتدرج. ولا يصح أن يُجعل الحلم سببًا لمزيد من القلق أو لوم النفس، فالأحلام قد تكون من حديث النفس وتعب الأيام. والأنفع أن يُترجم الحلم إلى رعاية ألطف بالنفس وطلب العون من المقربين.
وتفاصيل المشهد تضيف إلى الفهم، فالحمار الذي يسير بجانب الرائي قد يُقرأ على أنه رفقة وسند، والذي يتقدمه قد يُقرأ على أنه هدف يتضح، والذي يقف قد يُقرأ على أنه حاجة إلى راحة. وإذا كان الجو صافيًا هادئًا فقد يُقرأ ذلك على أنه ميل إلى السكينة، وإذا كان مظلمًا ثقيلًا فقد يُقرأ على أنه انعكاس لضيق. وكل ذلك استئناسات لا قواعد، ويختلف المفسرون في ترجيحها. والأحسن أن يُنظر إلى المعنى العام لا إلى تفصيل واحد.
ومن الجهة النفسية والعملية، فالحزن والهم يؤثران في النوم والأحلام، وقد تظهر الصور المثقلة بالأحمال. وفي هذه الحال يفيد الحديث مع شخص موثوق، والحرص على النوم والغذاء والمشي في الهواء الطلق، وتقسيم المشكلات الكبيرة إلى خطوات صغيرة، وتخصيص وقت للراحة والدعاء. وإن طال الحزن أو اشتد أو أثر في العمل والعلاقات فاستشارة مختص نفسي أمر مناسب، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا ما يغني عن ذلك. وطلب العون ليس ضعفًا بل حكمة.
ويحسن بالرائي ألّا يحمّل الحلم أكثر مما يحتمل، وألّا يجعله سببًا لتوقع الأسوأ. وكثير من الأحلام تكون من حديث النفس وتزول مع الأيام، ولا تحمل رسالة محددة. وإن ارتاح للحلم فليأخذ منه بارقة أمل، وإن انزعج فليصرف باله عنه ويشغل نفسه بما ينفع ويخفف. ومن المفيد أن يتذكر أن الأيام تتبدل وأن مع الصبر والأخذ بالأسباب يرجى الفرج.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقطع بحدوث شيء. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بأن يطمئن قلبه ويسهّل أمره ويفرّج همه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والفرج بيده سبحانه. نسأل الله له السكينة وراحة البال وحسن العاقبة.
