قد يرى كبير السن بابًا في منامه، فيتأمل صلة الصورة بما عاشه وما يعيشه من أيام. والأحلام لغة رمزية تتغذى من الذكريات والمشاعر والمشاهد اليومية التي تتراكم عبر السنين. ولا تُعدّ الرؤيا إخبارًا قاطعًا بأمر قادم، فهي صورة تحتمل أكثر من وجه. وما يُذكر هنا اجتهاد في الفهم يحتمل الخطأ، يُراد به الاستئناس والتأمل الهادئ. ويكفي الرائي أن يأخذ منه ما يؤنس باله.
الباب في الرمزية العامة مدخل ومخرج، وعتبة بين مكان ومكان وحال وحال. ويقترن بالانتقال من مرحلة إلى أخرى وبالبدايات، كما يقترن بالأمان والخصوصية وحفظ البيت. وقد يشير إلى الخيارات المتاحة دون جزم بنوعها أو وقوعها. والباب المفتوح قد يوحي بالانفتاح والتواصل، والمغلق قد يوحي بالسكينة وطلب الراحة. وهذه المعاني عامة تحتاج إلى سياق صاحبها.
نُسب إلى ابن سيرين في كتب التعبير أن الباب قد يدل على من يتولى أمر المكان ويحفظه، وأن حاله قد تعبّر عن حال ذلك الأمر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الباب قد يُفسَّر بالمدخل إلى الأمور وبالسبيل إلى المقاصد، وأن فتحه وإغلاقه يغيّر المعنى. وقد اختلف المعبّرون في تفصيل ذلك، فلا يوجد قول واحد متفق عليه في كل صورة. كما تعددت الروايات في نسبة الأقوال إليهم. فهي آراء للاستئناس تُؤخذ بحذر.
السياق هو ما يمنح الباب معناه الأقرب، فالباب في بيت قديم عاش فيه الرائي سنوات غير الباب في مكان غريب. وما كان يفكر فيه قبل النوم من أمور الأسرة والأحفاد والمواعيد والراحة قد يظهر في الحلم رمزًا. وللتعب وتغير أنماط النوم مع التقدم في العمر أثر في وضوح الأحلام وتكرارها. فمن المفيد أن يتذكر موضع الباب وما شعر به عنده. فالقرائن الشخصية أدق من القواعد الجاهزة.
ولأن الرائي كبير في السن فقد يرتبط الباب عنده بذكريات البيوت التي سكنها والأبواب التي دخلها وخرج منها طوال حياته. فالباب القديم المألوف قد يوافق حنينًا إلى الأماكن الأولى، والمفتوح قد يوافق رغبة في الأنس بالأهل والزائرين. والمغلق قد يوافق ميلًا إلى الهدوء والخلوة. وليس في ذلك دلالة قاطعة على حدث بعينه، فالصورة أقرب إلى استحضار الماضي والحاضر. والأسلم أن تُقرأ على أنها انعكاس لمشاعره وذكرياته.
وقد يظهر الباب لأن الذهن يستعيد مراحل مضت، فيجمعها في صورة عتبة يقف عندها. وقد يظهر لأن الرائي يفكر في ترتيب أيامه الحالية، من راحة وزيارات وعبادات وصلات عائلية. وقد يعبّر عن رغبة في أن يبقى بيته مفتوحًا لأحبته. وقد لا يحمل أكثر من أثر مشهد باب رآه في يومه. فلا ينبغي أن يُحمَّل الحلم فوق ما يحتمل.
وتفاصيل الباب تضيف قرائن ظنية، فالباب الخشبي العتيق قد يوحي بالألفة والذكريات، والباب الجديد قد يوحي بتبدل في الأحوال. والباب الواسع قد يوافق شعورًا بالرحابة، والضيق قد يوافق شعورًا بالتعب أو الحصر. ووجود ضوء دافئ خلف الباب قد يوافق انشراحًا، ووجود عتمة قد يوافق غموضًا. وسماع طرق خفيف قد يعبّر عن شوق إلى زيارة أو لقاء. وكل ذلك قراءات ظنية لا يُجزم بها.
وشعور الرائي في الحلم مهم، فالراحة عند الباب قد تدل على رضا وسكينة، والقلق قد يدل على انشغال بأمر لم يُرتَّب. والفضول قد يعكس رغبة في استكشاف جديد حتى في هذه المرحلة. وإن استيقظ بإحساس بالوحدة فقد يكون ذلك أثر ليلة ثقيلة أو نوم متقطع. وينفع أن يحكي ما رأى لأحد أبنائه أو أحفاده فيخفف عنه ذلك. فالأنس بالأهل أفضل من الانفراد بالتأويل.
ومن الناحية العملية يمكن للرائي أن يحرص على الحركة الخفيفة والنوم المنتظم والجلوس مع أهله وأصدقائه القدامى. وقد يفيد تخصيص وقت يومي للأنس بمن يحب، وتهيئة مكان نومه بإضاءة هادئة. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية ولا أمنية، وأي سؤال عن الصحة مكانه الطبيب المختص. وإذا لازمه قلق أو ضيق أو اضطراب في النوم مستمر فالأولى أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله الثقات. فالصحبة الطيبة والعناية بالنفس أنفع من كثرة التأويل.
ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه توقع عن الأيام القادمة. وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا صورة رمزية تُؤخذ بسكينة. والأجدر بالرائي أن يدعو الله بالخير والعافية ويحسن الظن به ويطمئن إلى فضله. وليكن أنسه بأهله وذكره لربه سبيلًا إلى الراحة. والله أعلم.
