قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق وحوله ناس كثيرون، بعضهم يغرق معه وبعضهم يقف يشاهده وبعضهم يسبح بعيدا، فيمتزج في نفسه الخوف بالحيرة من حال الناس. وهذه رؤية مألوفة تتكرر بصور مختلفة، وتثير سؤالا عن علاقة الغرق بالجماعة. ومن الواجب أن نذكر أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا يُقطع به، وأن ما يُذكر هنا رموز للاستئناس. فالحلم لا يخبر بحدث، بل قد يعكس مشاعر الرائي تجاه الناس من حوله.
الغرق في الرموز دال على الانغمار في أمر من أمور الدنيا، ووجود جمع كبير من الناس يضيف إلى المعنى بعدا اجتماعيا. فقد يدل على فتنة عامة تصيب الناس جميعا، أو على أمر يشترك فيه الرائي مع كثيرين كأزمة اقتصادية أو أحوال عامة أو موجة من الانشغال بالدنيا. وقد يدل على الانسياق مع الناس في أمر لا يرضي الله، فيغرق الإنسان فيما يغرق فيه غيره. وقد يعبر كذلك عن شعور بالوحدة وسط الزحام إذا كان الناس يتفرجون ولا يعينون.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الغرق مع الناس قد يدل على فتنة أو بلاء يعم، وأن النجاة منه تدل على السلامة منه. وذهب بعض المفسرين إلى أن من غرق مع جماعة وخرج وحده فقد ينجو مما يهلك فيه غيره ببصيرة وتوفيق من الله. وذكر آخرون أن رؤية الناس يغرقون جميعا قد تعبر عن أمر عام كغلاء أو شدة تصيب الناس. وهذه أقوال متفاوتة ولا يصح الجزم بها، وهي من باب الاجتهاد فحسب.
ويختلف المعنى بحسب أحوال الناس في الحلم. فإن كان الناس يغرقون وهم يتدافعون فقد يعبر ذلك عن تنافس على الدنيا وتزاحم عليها. وإن كانوا يتعاونون ويمسك بعضهم ببعض فذلك دليل على أن الأزمات تُجتاز بالتعاضد. وإن كانوا يقفون على الشاطئ يتفرجون فقد يعبر عن شعور بقلة العون. وإن أنقذه أحد من بينهم فهو عون قريب. وإن كان يعرف الناس من حوله فقد يرتبط الحلم بأسرته أو أصحابه أو زملائه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن ضغط من أقرانها أو مجتمعها أو شعور بأنها تُقارن بغيرها، أو عن انسياق وراء أمر لا تحبه خوفا من كلام الناس. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن ضغط الأقارب والمناسبات والعلاقات الاجتماعية الكثيرة. وللرجل قد يعبر عن منافسة في العمل أو تجارة أو ضغط من محيطه الاجتماعي، أو عن تأثر بأحوال عامة. وللحامل قد يعبر عن كثرة التوجيهات والنصائح التي تنهال عليها من كل جانب. وهي قراءات محتملة فقط.
ومن الدقائق: هل كان الناس غرباء أم أقارب، وهل كانوا ينظرون إليك أم يشغلهم أمرهم، وهل سمعت صراخا أو دعاء. وهل ساعدتَ أحدا منهم أو ساعدك أحد. فمن أعان غيره في الحلم كان ذلك مما يُستبشر به من حسن الخلق. وهل ظهر في الحلم مكان آمن كجزيرة أو سفينة يلتجئ إليه الجميع. فهذا من رموز النجاة العامة. وهذه التفاصيل تُستأنس بها دون مبالغة.
وقد يحمل الحلم تنبيها إلى أهمية ألا يسير الإنسان مع الجماعة في كل ما تفعله دون تفكير، فإن الحق لا يُعرف بكثرة السائرين فيه. وقد جاء في الهدي النبوي ما معناه أن المؤمن لا يكون إمعة، يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، بل يوطن نفسه على الحق. فمن رأى هذا الحلم فليراجع ما يشاركه فيه الناس من عادات وأعراف، وليتحر الصواب فيها.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن الشعور بالغرق وسط الزحام قد يعبر عن إرهاق اجتماعي أو إحساس بالوحدة رغم الكثرة. ومن المفيد أن يختار الإنسان صحبته بعناية، وأن يخصص وقتا للعزلة النافعة والتأمل، وأن يبني علاقات صادقة مع قلة من الناس يثق بهم. وإن كان يعاني ضغطا اجتماعيا شديدا أو قلقا من الناس يؤثر في حياته فمن الحكمة استشارة مختص يعينه على بناء الثقة.
ومن الجدير بالذكر أن بعض الناس يرون هذا الحلم بعد خروجهم من مناسبة مزدحمة أو مشاهدتهم لمشاهد جماهيرية، فيكون الحلم صدى لما رأوه. وهذا من أسباب الأحلام الشائعة التي لا تحمل رمزا عميقا، فلا ينبغي أن يرهق الإنسان نفسه في البحث عن تأويل لكل مشهد. والأولى أن يكتفي بالدعاء والاستعاذة.
وليتذكر أن كل إنسان يُحاسب وحده يوم القيامة، وأن النجاة الفردية ممكنة وسط أي زحام بتوفيق الله، فلا يستسلم لضغط الجماعة إن كان في الحق خلافه، ولا يهمل نصيحة الصالحين. وبذلك يكون الحلم دافعا إلى بصيرة وثبات وعمل صالح.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في علاقة أو عمل أو غيرها. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قيل هنا إنما هو من باب الاستئناس. فليحسن المسلم الظن بربه، وليدعه أن يحفظه وأهله وجميع المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فإنه سبحانه رب الناس ملك الناس إله الناس.
