يحدث أن يرى الإنسان نفسه يغرق في الظلام الحالك، لا يرى حوله إلا السواد ولا يعرف أين الشاطئ. وهذا الحلم من أكثر صور الغرق إثارة للرهبة، لأن الليل يضاعف إحساس الوحدة والعجز. ومع ذلك فهو رمز لا ينبئ بحادثة، والتأويل فيه اجتهاد ظني يحتمل الخطأ. وكثيراً ما يرتبط بخوف الظلام أو بقلق يزداد في ساعات الليل حين يخلو الإنسان بنفسه.
الليل في المنام يرمز عند كثير من المفسرين إلى الستر والغموض أو إلى الهم والجهل بالأمور وعدم وضوح الطريق. والغرق فيه قد يدل على استغراق الرائي في هم لا يرى له مخرجاً، أو في أمر لا يعلم عاقبته. وقد يعبر عن خوف من المجهول القادم، كمستقبل مجهول أو قرار مصيري. وقد يشير كذلك إلى ذنب مستور أو سر خفي يثقل صاحبه، فلا يعلم به أحد غيره. وكلها دلالات احتمالية لا قطع فيها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الليل قد يدل على الجهل والغفلة أو على الستر بحسب ما يكون فيه، وأن الظلمة في الغالب تشير إلى الهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من غرق في الظلام ثم رأى ضوءاً فقد يُفرَّج عنه، وأن الفجر في المنام بشارة بالخير. وذكر بعضهم أن الظلمة قد ترمز إلى ضلال أو حيرة. وتختلف الأقوال في ذلك، ولا يؤخذ بأحدها على سبيل الجزم، فهي اجتهادات تنقلها كتب التعبير.
وتتغير الدلالة بحسب ما يحدث في الحلم، فإن ظهر قمر أو نجوم أو ضوء بعيد فقد يدل على أمل ومخرج. وإن بقي الظلام تاماً فقد يشير إلى حيرة أشد. وإن طلع الفجر وهو في الماء فقد يكون ذلك بشارة بانكشاف الهم. وإن نجا في الظلام فقد يعبر عن قدرته على تجاوز الشدائد حتى حين لا يرى. وكذلك يؤثر شعوره، أكان هلعاً أم صبراً.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن خوف من المستقبل المجهول أو قلق ليلي من أمر لم يتضح. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى هموم تبدو في الليل أشد حين يهدأ البيت. وللحامل قد يرتبط بالأرق والقلق قبل الولادة. وللرجل قد يدل على همّ مالي أو عملي لا يبوح به، ويحسن أن يشارك فيه من يثق به.
ومن الدقائق أن يسمع الرائي صوتاً مطمئناً في الظلام أو يرى يداً تمتد إليه، فقد يعبر عن عون يأتيه من حيث لا يتوقع. وإن رأى مصباحاً على سفينة قريبة فقد يشير إلى مخرج وسبب. وإن رأى القمر منعكساً على الماء فقد يدل على جمال مع الغموض. وإن رأى نفسه يصلي أو يدعو في الظلام فقد يدل على لجوء إلى الله في الشدة. وكلها قرائن ظنية فقط.
وفي الجانب النفسي، فإن القلق يتضاعف في الليل، فالإنسان إذا خلا بنفسه أخذت الأفكار تتدافع في ذهنه. ولذلك فإن أحلام الغرق الليلي قد تكون انعكاساً لتفكير مفرط قبل النوم. ومن النافع أن يكتب الرائي همومه على ورقة قبل النوم ويؤجلها إلى الغد، وأن يخفف الإضاءة والشاشات، ويحرص على أذكار النوم. وإن تكرر الأرق والكوابيس فلا حرج في استشارة مختص.
ومن اللطائف أن الظلمة في اللغة والشرع ترتبط كثيراً بالضلال والهداية بالنور، فيحسن بالرائي أن يجعل حلمه مناسبة لطلب النور والبصيرة، بقراءة القرآن ومجالسة الصالحين وطلب العلم النافع. وقد يكون في ذلك دعوة لتجديد الصلة بالله وتصفية القلب. ولا يعني ذلك أن الحلم دليل على ضلال، بل هو حث عام على طلب الهدى.
وقد يكون الحلم ناشئاً من تعب جسدي أو سوء تهوية في الغرفة أو ضغط على الصدر أثناء النوم، فيحس الإنسان بالاختناق ويرى الغرق. وفي هذه الحال يفيد تغيير وضع النوم وتهوية الغرفة وتخفيف العشاء. وهذا من الأسباب البدنية المعروفة التي لا علاقة لها بالتأويل.
ومن طرائف هذا الباب أن كثيراً من الأحلام المخيفة تقع في آخر الليل قبل الفجر، لأن النوم في تلك الساعات يكون أخف وأحلامه أوضح وأكثر تذكراً. ولهذا قد يظن الرائي أن الحلم أخبره بشيء مهم، وهو في الحقيقة نتيجة طبيعية لطبيعة النوم. فمن عرف ذلك هان عليه أمر كثير من الكوابيس.
وللمرأة المرضعة أو التي تسهر على أطفالها قد تتكرر أحلام الظلام والغرق بسبب قلة النوم والإرهاق، وهذا مفهوم ولا يدل على سوء. وكذلك لمن يعملون ليلاً أو يسهرون كثيراً. وفي هذه الأحوال يكون الأنفع تنظيم النوم قدر الاستطاعة وطلب العون من الأهل في رعاية الأطفال لتحصيل قسط من الراحة.
وختاماً فإن ما يُخاف منه في الظلام يزول بأدنى ضوء، والإيمان نور يبدد وحشة القلب. فمن حافظ على صلاته وذكره وقراءة القرآن في يومه وجد في ليله أنساً وطمأنينة. وقد جاء الترغيب العام في ذكر الله عند النوم، ففيه حفظ وسكينة بإذن الله.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وخير ما يختم به الإنسان يومه أذكار النوم وحسن الظن بربه، فمن نام على ذلك سكن قلبه، ومن رأى ما يكره استعاذ بالله وتحول عن جنبه ومضى مطمئناً.
