من الأحلام التي تثير الرهبة أن يرى الإنسان نفسه يغرق في ماء أسود حالك لا يرى فيه شيئا، فيشعر بالظلمة والبرد وضيق الصدر. وهذه الرؤية من الرؤى التي يسأل عنها الناس كثيرا بسبب ثقل مشهدها. ومن الواجب أن نؤكد أن تفسير الأحلام ظني اجتهادي لا قطعي، وأن اللون الأسود في الحلم لا يعني بالضرورة سوءا يقع. فالحلم قد يعبر عن حال نفسية أو قلق عابر أكثر مما يتنبأ بأمر خارجي.
الأسود في الرموز يرتبط عند كثير من المعبرين بالهم والغم والغموض والسلطان والحزن، وقد يرمز في بعض الأحوال إلى الرفعة والهيبة، فلا يُطلق عليه حكم واحد. والغرق في الماء الأسود يجمع بين رمز الانغمار ورمز الظلمة، فيدل في الغالب على أمر مجهول العاقبة يشغل صاحبه، أو همّ لا يرى له مخرجا. وقد يكون في الحلم إشارة إلى شبهة أو أمر ملتبس لم يتضح للرائي وجه الصواب فيه. والظلمة في الأحلام كثيرا ما تعبر عن عدم الوضوح.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الماء المتغير اللون والمكدر قد يدل على همّ أو مرض أو فتنة، وأن الظلمة قد تدل على الجهل أو الضلال أو الحيرة. وذهب بعض المفسرين إلى أن من غرق في ماء أسود فقد يقع في أمر مظلم من أمور الدنيا، وأن النجاة منه تدل على الهداية والفرج. وقد اختلف العلماء في دلالات الألوان، فلا يصح التمسك بتفسير واحد، وهي أقوال للاستئناس لا للجزم.
ويختلف المعنى بحسب ما يجري في الحلم، فإن رأى الرائي نورا يظهر وسط الظلمة أو يد تنتشله فذلك مبشر بالفرج والهداية. وإن خرج إلى ضوء النهار فهو من أحسن ما يُرى. وإن بقي في الظلمة حتى استيقظ فقد يعبر عن قلق حاضر لم يُحسم بعد. وهل كان الماء باردا أم دافئا، وهل كانت له رائحة، وهل رأى فيه أشياء تتحرك. فكلما كان المشهد أكثر رعبا كان على الأرجح أقرب إلى انعكاس القلق منه إلى رمز دقيق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن حيرة في أمر مصيري أو خوف من المجهول أو ضغوط نفسية. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن همّ مكتوم في بيتها أو قلق على أولادها أو من مستقبل أسرتها. وللرجل قد يعبر عن همّ مالي أو وظيفي مجهول العاقبة أو عن ذنب يثقل ضميره. وللحامل قد يعبر عن مخاوف الولادة والمجهول. وكلها معان محتملة وليست أحكاما.
ومن الدقائق: هل كان الظلام تاما أم تشوبه بقع ضوء، وهل سمعت أصواتا أو رأيت أشكالا، وهل شعرت بوحدة أم برفقة. وهل خرجت من الماء من تلقاء نفسك أم بعون. ويحسن ألا يتتبع الإنسان الأحلام المخيفة ويحكيها للناس، فقد جاء في الهدي النبوي أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها وشر الشيطان وليتفل عن يساره ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لا تضره، وهذا من أعظم ما يهدئ القلب.
وقد يكون الحلم تنبيها لطيفا لمن اعتاد السهر الطويل أو التعرض لمحتوى مزعج أو الاستغراق في التفكير السلبي قبل النوم. فمن المفيد أن يخلد إلى النوم على طهارة وذكر، وأن يتجنب مشاهد العنف والأخبار المقلقة قبل النوم بساعة أو أكثر. وأن يترك الهاتف جانبا ويقرأ أذكار النوم، فإن ذلك يجلب السكينة بإذن الله ويقلل من الأحلام المرعبة.
ومن الناحية النفسية، فإن الماء الأسود والظلام قد يعبران عن مشاعر الخوف من المجهول وفقدان الاتجاه. وفي هذه الحال يفيد أن يحدد الإنسان مصدر قلقه ويكتبه وأن يتحدث إليه مع شخص يثق به، وأن يقسم المشكلة إلى خطوات صغيرة. ومن المهم ألا يعزل نفسه، فالعزلة تزيد الظلام. وإن تكررت الأحلام المخيفة بشدة وأثرت في نومه أو مزاجه فمن الحكمة أن يستشير مختصا نفسيا، فهذا من الأخذ بالأسباب.
وليذكر من رأى هذا الحلم أن الله سبحانه هو نور السماوات والأرض، وأن من لجأ إليه لم تبق في حياته ظلمة دائمة. وقد جعل الله في القرآن ذكره نورا للقلوب، فليكثر من تلاوة القرآن وصلاة الليل ولو بقدر يسير، وليستحضر أن كل ليل يعقبه فجر. وبذلك يتحول مشهد الظلمة من مصدر خوف إلى تذكرة بنعمة الهداية والنور.
ومما يُستحب لمن رأى ما يكره أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه ويصلي ركعتين إن تيسر له، فإن ذلك مما يطرد الوساوس ويهدئ النفس.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار أو أن يُتخذ سببا للخوف أو التشاؤم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليحسن المسلم الظن بربه، وليدعه أن يخرجه من الظلمات إلى النور، وليتذكر أن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، فهو سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم.
