قد يرى الإنسان أنه يغرق في وضح النهار تحت شمس ساطعة، والناس حوله يرون ما يحدث وقد يلتفتون إليه أو لا. وهذا الحلم يختلف في طابعه عن الغرق الليلي، فالنهار يرمز إلى الوضوح والظهور والعلانية. ومع ذلك فهو رمز لا ينبئ بحدث، والتأويل فيه اجتهاد ظني. وغالب من يراه يستيقظ وهو يتساءل عن معنى أن يكون الخطر ظاهراً بهذا الوضوح.
النهار في المنام يرمز إلى الوضوح والعلانية والأمور المكشوفة، وقد يدل على الخير والبيان. فإذا غرق الرائي نهاراً فقد يدل على أن همّه ظاهر ومعروف لدى الناس، كدين معلوم أو مشكلة يعرفها الجميع، أو أنه يشعر بأن ضعفه مكشوف أمام الآخرين. وقد يعبر عن خوف من الفضيحة أو الإحراج العلني. وقد يدل كذلك على أن المخرج واضح ومتاح، لأن النهار يعين على الرؤية والنجاة. وللرائي أن يرجح المعنى الأقرب لحاله.
نُسب إلى ابن سيرين أن النهار يدل في الجملة على الظهور والعلانية والبيان، وأن ما يُرى فيه أوضح مما يُرى في الليل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشدة التي تقع في النهار تكون أخف وأسرع زوالاً من التي تقع في الليل. وذكر بعضهم أن الغرق في نور الشمس يدل على أن الأمر ظاهر لا خفي. وتختلف الأقوال، ولا ينبغي الجزم بها، فهي اجتهادات تُنقل من كتب التعبير.
وتتغير الدلالة بحسب حال الناس حول الرائي، فإن كان الناس ينظرون ولا يعينونه فقد يعبر الحلم عن شعور بالخذلان أو بقلة المعين. وإن بادر أحد لنجدته فقد يدل على وجود سند قريب. وإن كان الجو مشمساً صافياً فالمعنى أخف، وإن كان غائماً فقد يتغير. وإن رأى الشاطئ قريباً بوضوح فهو علامة على سهولة الخلاص. وتؤثر كذلك حال الماء وقوته.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى خوف من انكشاف أمر أو حرج أمام الناس أو الأهل. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بقلق من حديث الناس عن شأن بيتها. وللحامل قد يرتبط بالحساسية من نظرات الآخرين وتعليقاتهم. وللرجل قد يدل على همّ ظاهر مثل دين معروف أو ضغط عمل مكشوف، ويحسن أن يعالجه بوضوح وشفافية.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أن المارة يمدون له يد العون، وهذا مبشر بخير وسند من الناس. وإن رأى نفسه يصيح فيسمعه أحد فقد يدل على استجابة قريبة لحاجته. وإن رأى الشمس تدفئه بعد الخروج فقد يعبر عن راحة بعد تعب. وإن رأى أنه استغرب أن لا يغرق أحد غيره فقد يدل على شعور بأنه وحده يمر بالشدة. وكلها قرائن ظنية فقط.
وفي الجانب النفسي، فإن حلماً كهذا قد يعبر عن خوف من أن يرى الناس ضعفنا أو إخفاقنا، وهذا شعور إنساني شائع. والحل أن يتعامل الرائي مع ما يخجل منه بصراحة وتواضع، وأن يتذكر أن كل إنسان يمر بأزمات، وأن الستر نعمة من الله. ومن النافع أن يتحدث إلى شخص صادق يعينه على رؤية الأمور بموضوعية. وإن اشتد الخوف الاجتماعي فليستشر مختصاً.
ومن الجيد أن يستحضر الرائي أن الله يستر عباده ويحب الستر، وأن العباد مأمورون بالستر على بعضهم فيما لا يضر. فالخوف من انكشاف الضعف يخف حين يعلم الإنسان أن الله هو الستار، وأن أعين الناس لا تملك له نفعاً ولا ضراً. وهذا من التوكل الذي يريح القلب.
وقد يكون الحلم ناشئاً من مشهد رآه الإنسان في يومه كالسباحة في الشاطئ أو مقطع عن إنقاذ غريق، فتحول إلى حلم نهاري. وفي هذه الحال لا معنى رمزياً له. ومن العمل الحسن أن يتعلم الإنسان السباحة والإسعافات الأولية ليكون أقدر على النجدة في الواقع.
وقد يكون هذا الحلم عند بعض الناس نتيجة طبيعية للخوف من المواقف الاجتماعية أو الظهور أمام الناس، كمن يتهيأ لعرض أو مقابلة أو حفل. فالعقل يصور الخوف من الانكشاف في صورة غرق علني. وفي هذه الحال يفيد أن يتدرب الإنسان على ما سيقوم به ويقوي ثقته بنفسه ويتذكر أن أخطاءه البسيطة لا تضر كما يتصور.
ومن الأمور المهمة أيضاً أن لا يربط الرائي بين الحلم وبين نظرة الناس إليه، فليس كل من حضر المشهد في الحلم يمثل شخصاً حقيقياً، بل هم في الغالب صور رمزية لصوت داخلي ينتقد أو يراقب. والتعامل مع هذا الصوت الداخلي بالرفق والتسامح يخفف كثيراً من القلق.
وأما من الناحية الإيمانية فإن الإنسان يخرج من هذا الحلم بدرس في أن الاعتماد على الناس وحدهم لا يكفي، وأن العون الحقيقي من الله. وأن الستر والعافية نعمتان عظيمتان تستحقان الشكر. فمن ألح في الدعاء بأن يستر الله عيوبه ويعافيه في دينه ودنياه كفاه ذلك عن قلقه من نظرات الناس.
وخاتمة القول أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يبنى عليه قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله. فلنكثر من الدعاء ولنحسن الظن بالله ولنمضِ في حياتنا مطمئنين.
