قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق وينادي طالباً النجدة، ويرفع صوته أو يلوّح بيده ليلفت انتباه من حوله. وهذا من الأحلام المألوفة عند من يشعرون في يقظتهم بأنهم محتاجون إلى عون لكنهم لم يطلبوه بعد. وتفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، وهو هنا أقرب إلى التعبير عن حاجة داخلية إلى السند، منه إلى خبر عن واقع، ولا يستدعي خوفاً أو تشاؤماً.
الغرق في المنام يرمز عند المعبّرين عموماً إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب أو الفتن. وطلب المساعدة في وسط ذلك يرمز إلى إدراك الرائي لحاجته إلى غيره، وإلى رغبته في الخلاص. وهو بذلك خطوة إيجابية في ذاتها، فمن أدرك ضعفه وطلب العون فقد فتح باب الحل. وقد يكون الحلم دعوة لطيفة لأن يكسر الرائي حاجز الصمت، ويشارك همومه مع من يثق به، أو يرفع يديه إلى الله بالدعاء الصادق.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن النجاة من الغرق دالة على السلامة والخلاص من الهم، وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن الاستغاثة في المنام تدل على التجاء الرائي إلى جهة تعينه، فإن أُجيب كان ذلك بشرى وإن لم يُجَب فلا يُحمل على سوء. وهم لا يتفقون في التفاصيل، فمنهم من ربط الأمر بالسلطان والناس، ومنهم من ربطه بالدين والدعاء. وكلها اجتهادات ظنية لا تقطع الأمر.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن جاء من يساعد في الحلم، فهو أبشر، ويدل على أن العون سيأتي في الواقع من حيث لا يحتسب. وإن كان الرائي يصرخ ولا يسمعه أحد، فقد يعبر عن شعور بالوحدة أو بعدم الفهم. وإن كانت الاستغاثة بالله مباشرة، كأن دعاه في الحلم، فذلك يعبر عن الالتجاء الصادق، وهو من أنفع ما يفعله العبد. وقد يظهر في الحلم حبل أو يد أو سفينة، وهي رموز لأسباب الفرج.
وللرجل قد يعبر الحلم عن رغبته في طلب مساعدة طالما أجّلها بسبب كبريائه أو خوفه من الظهور بمظهر الضعف. وللمرأة المتزوجة قد يكون صدى لحاجتها إلى دعم زوجها أو أهلها. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى حاجتها إلى توجيه أو نصيحة من أهلها أو مرشد. وللحامل قد يعبر عن حاجتها إلى رعاية ومؤازرة في هذه الفترة، فلا حرج أن تطلب العون ممن حولها وتتحدث بما تحتاجه دون خجل.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي: لمن وجّه النداء؟ ومن استجاب؟ فقد تكون الجهة المنادى عليها دالة على من يعتمد عليه الرائي في الواقع أو يتمنى أن يعتمد عليه. وكيف كان صوته: قوياً أم ضعيفاً مخنوقاً؟ فالقوي يدل على أن عنده القدرة على طلب حقه، والضعيف قد يعبر عن ثقل يحتاج إلى تفريغ. وكل ذلك من باب الاستئناس لا الجزم.
وعملياً، فهذه فرصة للرائي ليراجع: هل هناك أمر أحمله وحدي ويحتاج إلى مشاركة؟ فليصارح من يثق به من أهل أو صديق أو مرشد، وليلتمس العون من أهل الاختصاص إن كان الأمر مالياً أو صحياً أو قانونياً. وليدعُ الله أن ييسّر له من يعينه ويشرح صدره، فإن طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل هو من أخذ الأسباب المأمور به، وفي كثير من الأحيان يكون كلمة صادقة بداية للفرج.
ومن الجانب النفسي، فإن كثيراً من الناس يكتمون همومهم حتى تظهر في صورة أحلام تضغط عليهم، وهذا الحلم قد يكون صوتاً داخلياً يقول: لا تحمل الأمر وحدك. ولذلك فإن التعبير عن المشاعر بالكتابة أو الحديث يخفف كثيراً من هذه الأحلام. وإن كان القلق مزمناً وثقيلاً حتى أثّر في النوم والحياة اليومية، فلا بأس أن يستشير مختصاً نفسياً، فهذا من حسن تدبير النفس.
ومن حسن الأدب مع الله أن يكون أول من يُستغاث به في الشدائد، ثم يأتي طلب العون ممن جعلهم الله أسباباً. فليجمع الرائي بين الدعاء الصادق وسؤال الناس بما يحتاج، دون إلحاح مذل ولا تكبر عن الطلب. وبهذا يكون قد أخذ بأسباب النجاة المادية والمعنوية، وأراح نفسه من ثقل الصمت الذي طالما أرهقه.
ولا ينبغي أن يظن الرائي أن طلب المساعدة يقلل من شأنه أو من توكله، فالأنبياء والصالحون كانوا يستعينون بالله ثم بمن حولهم في شدائدهم، والتعاون من سنن الحياة. وإذا وجد من يعينه فليشكره وليحفظ له جميله، وإذا قدر على أن يعين غيره فليبادر، فكما تدين تُدان.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي. وعلى المسلم أن يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه القريب المجيب لمن دعاه، الذي يغيث الملهوفين ويكشف السوء عن عباده.
