قد يرى النائم مدينة كاملة وقد غمرتها المياه، بيوتها وشوارعها وأسواقها، وهو يشاهد المشهد من بعيد أو يقف في وسطه. ومثل هذا الحلم من الأحلام الكبيرة في مشهدها، وقد يتأثر الرائي بما يشاهد في الأخبار من كوارث طبيعية فيراه في المنام. وهو رمز لا ينبئ بكارثة حقيقية، فليس للأحلام قدرة على الإخبار عن الغيب. والتعبير فيه اجتهاد ظني، يُنظر إليه بهدوء وحسن ظن بالله.
المدينة في المنام ترمز إلى جماعة الناس وما بينهم من علاقات ومصالح وأحوال، وقد ترمز إلى البلد الذي يعيش فيه الرائي. فإذا رأى أنها تغرق فقد يعبر ذلك عن قلقه من الأحوال العامة، كغلاء أو فتنة أو اضطراب في الأمور. وقد يدل على شعوره بأنه جزء من جماعة تمر بضائقة، أو أنه يعيش في أجواء مشحونة. ومن جهة أخرى قد يعبر عن قلق شخصي كبير تضخم حتى صار يراه كأنه يعم كل ما حوله.
نُسب إلى ابن سيرين أن الماء إذا عم البلد وغمر ما فيه فقد يدل على فتنة أو شدة تصيب أهله، وأن سلامة الرائي منه دليل على نجاته من أذاها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن غرق المدينة قد يشير إلى غلبة سلطان أو ظلم عام أو غلاء. وذكر بعضهم أن الماء العذب إذا جاء بالخير قد يدل على رخاء، والعكر منه على بلاء. وتتفاوت هذه الأقوال ولا تُجعل أساساً للتنبؤ بشيء، فهي اجتهادات لا قطع فيها.
ويتغير المعنى بحسب موقع الرائي من المشهد، فإن كان يشاهد المدينة من مكان مرتفع فقد يعبر عن قلقه من الأحوال العامة مع شعوره بأنه بمنأى عنها. وإن كان بين الناس فقد يتصل الأمر بهم مباشرة. وإن كان الماء صافياً هادئاً فقد يكون المعنى أخف، وإن كان هائجاً ملوثاً فقد يعبر عن توتر أكبر. وكذلك يُنظر هل هي مدينته المألوفة أم مدينة مجهولة، فالأولى أقرب إلى شأنه الخاص.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز الحلم إلى قلقها من أحوال الناس والمجتمع، أو من تغييرات كبيرة في حياتها كالانتقال إلى مدينة جديدة. وللمرأة المتزوجة قد يتعلق بقلق على استقرار الأسرة وسط ظروف عامة صعبة. وللحامل قد يرتبط بمخاوف الحمل والتحضير لمرحلة جديدة. وللرجل قد يعبر عن قلقه من أحوال الاقتصاد والعمل والغلاء أو من مسؤولياته تجاه من يعول.
ومن الدقائق أن يرى الرائي ناساً يتعاونون على الخروج من الماء، فهذا يُحمل على أن الجماعة قادرة على تجاوز الشدائد بالتكافل. وإن رأى أن الماء ينحسر فقد يعبر عن زوال هم عام بإذن الله. وإن رأى مبنى مرتفعاً أو مسجداً يلجأ الناس إليه فقد يشير إلى ملجأ آمن من الدين والخير. وإن رأى أنه يبكي أو يدعو فقد يدل على حاجة إلى التضرع. وكل هذا من القرائن الظنية.
وعلى المستوى النفسي، فالتعرض المستمر لأخبار الكوارث والأزمات قد يترك في الذهن صوراً تظهر في الأحلام. ولذلك يُنصح بتقليل متابعة الأخبار المحزنة قبل النوم، وبتخصيص أوقات محددة لها. ومن المفيد أيضاً أن يوجه الرائي قلقه نحو عمل نافع كالتصدق أو المساعدة في مبادرة خيرية أو الدعاء للمنكوبين. فهذا يحول الشعور بالعجز إلى فعل إيجابي.
ويجدر بالمؤمن أن يتذكر أن الأقدار كلها بيد الله، وأن الدعاء للمسلمين بالأمن والرخاء من أحب الأعمال. وأن الأحلام المخيفة لا تغير القدر، وأن الطمأنينة من الإيمان بحكمة الله. ومن استعاذ بالله مما رأى كفاه الله شره بإذنه. وليس في الحلم نهي عن السفر أو عن الإقامة، فإن الأمور تُدار بحسب الواقع.
وقد يظن بعض الناس أن رؤية مدينة تغرق تعني أنهم يرون ما سيقع للناس، وليس الأمر كذلك. فالرؤيا الصالحة جزء من النبوة بمعنى البشارة والتنبيه على ما ورد في الشرع، ولا تُجعل أساساً للتنبؤ بالأحداث العامة ولا لإثارة الذعر بين الناس. ولا ينبغي لأحد أن ينشر مثل هذه الأحلام على أنها نذر، فذلك من إثارة الفتنة وبث القلق بلا علم.
ومن الأدب أن يكتم الرائي الحلم المكروه، وألا ينشره في وسائل التواصل أو بين الناس، لما فيه من إخافة للناس بلا دليل. وإذا شعر بحاجة إلى الحديث فليحدث عالماً أو عاقلاً ناصحاً لا يزيده قلقاً. وفي كتمان الرؤيا المكروهة والاستعاذة بالله منها ما يكفي لذهاب أثرها بإذن الله.
وفي الختام نقول إن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يُتخذ سبباً لقرار حقيقي كترك مدينة أو بيع ممتلكات. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنكثر من الدعاء لبلادنا وللمسلمين بالأمن والعافية، ولنحسن الظن بالله، ولنمضِ في حياتنا مطمئنين.
