قد ترى المرأة المطلقة في منامها أنها تغرق في الماء، فتستيقظ وفي نفسها أسئلة عن ماضيها ومستقبلها. وهذه الرؤية ليست نادرة بين النساء اللاتي مررن بتجربة انفصال، إذ تكثر في حياتهن المشاعر المتقلبة والمسؤوليات الجديدة. ولا بد أن نذكر أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا يُقطع به، وأن ما يُقال فيه رموز تختلف من إنسانة إلى أخرى. فالحلم لا يقرر مصيرا ولا يحكم بشيء، وإنما قد يعكس بعض ما في القلب.
الغرق في عالم الرموز يشير إلى الانغمار في أمر من أمور الدنيا كالهم أو الدين أو الفتنة أو الذنب أو الحزن. وبالنسبة للمطلقة قد يرتبط بثقل مرحلة ما بعد الانفصال، من مسؤولية الأولاد إن وُجدوا ومواجهة نظرة المجتمع وتدبير المعيشة والشعور بالوحدة. وقد يكون الماء رمزا للمشاعر التي لم تُعالج بعد، فيعبر الغرق عن إحساس بأنها تمتلئ بها. وفي الوقت نفسه فإن في الحلم فرصة للتأمل في كيفية الخروج منها بإذن الله.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الغرق قد يدل على هم أو دين أو فتنة، وأن النجاة منه تدل على الخلاص. وذكر بعض المفسرين أن نجاة المرأة من الغرق تدل على خروجها من ضيق أو حزن، وأنها قد تكون بشرى بعوض خير. وقد قال بعضهم إن الخروج من الماء إلى اليابسة يدل على استقرار جديد. وكل ذلك اجتهادات غير مقطوع بها، فلا ينبغي التعلق بها أو انتظار وقوعها حرفيا، فالله أعلم بما قدّره.
ويتبدل المعنى بحسب ما شاهدته، فالماء الصافي الهادئ أقرب إلى الراحة والبداية الجديدة، والعكر الهائج أقرب إلى الاضطراب والحزن. وإن رأت أنها تسبح وتنجو فهذا يوحي بقدرتها على الصمود، وإن أنقذها أحد فقد يرمز إلى عون من أهلها أو صديقاتها أو عمل يسندها. وإن رأت زوجها السابق في المشهد فلا يعني ذلك عودة ولا خصومة، بل قد يكون من بقايا ما في الذاكرة. والمهم ألا تبني على ذلك قرارا.
ومن الدقائق في حلم المطلقة: هل كان معها أولادها، وهل كانت تحاول إنقاذهم، فذلك يعبر عن حرصها عليهم وخوفها على مستقبلهم. وهل كانت وحدها في بحر واسع، فقد يرمز إلى وحشة تشعر بها. وهل رأت سفينة أو ضوءا في البعيد، فهذه من علامات الأمل. وهل كان الغرق ثقيلا بسبب ثياب أو حجارة، فقد يرمز إلى أعباء تحملها من الماضي. وكل ذلك يُنظر فيه برفق دون جزم.
ومن المهم أن تتذكر المرأة التي مرت بالطلاق أن ذلك ليس عيبا ولا نهاية الطريق، فكثيرات وجدن بعده استقرارا وراحة وفضلا من الله. وقد يكون الحلم دعوة لها لأن تعتني بنفسها وتعيد بناء ثقتها، وتتعلم مهارة جديدة أو تعزز عملها، وتتقرب من الله بالدعاء والقرآن والصدقة. فإن القلب إذا عمر بذكر الله اطمأن، وإذا اطمأن خف عليه الماضي. وكل هذا من باب الأخذ بالأسباب.
ومن الناحية النفسية، فإن مرحلة ما بعد الانفصال قد تكون مرهقة، وقد تظهر في الأحلام صور الغرق والاختناق كتعبير عن الحزن والقلق وفقدان الأمان. ومن المفيد أن تتحدث المرأة إلى صديقة موثوقة أو قريبة حكيمة، وأن تكتب مشاعرها، وأن تحدد أهدافا صغيرة واقعية، وأن تنظم ميزانيتها إن كانت مسؤولة عن إعالة أولادها وتطلب العون الشرعي والقانوني فيما يحق لها. وإذا طالت الأحلام المزعجة أو اشتد الحزن فلا بأس من مراجعة مختصة نفسية، فهذا من العناية المشروعة بالنفس.
وقد يحسن بالمرأة المطلقة أن تتذكر أن الله سبحانه يجبر القلوب المنكسرة، وأن كثيرا من الأبواب لا تفتح إلا بعد أن تُغلق أخرى. ولا ينبغي أن تحمّل نفسها فوق طاقتها من اللوم والندم، فإن العبرة بما بعد التجربة من نمو وإصلاح. فلتجعل من هذه المرحلة فرصة لتقوية علاقتها بربها وبنفسها وبمن حولها من الأهل والصالحات، وليكن لها في الصبر والرضا أجر عظيم.
وإن كان الحلم قد تكرر بعد لقاء أو مناسبة تذكرها بالماضي، فلا تعجب، فإن الذاكرة تعمل في الليل أكثر مما نظن، وتعيد ترتيب ما مر بنا من مشاعر. فيكفي أن تقابل ذلك بالدعاء والاستغفار وبما يشغلها من النافع، دون أن تتعمق في تحليل كل صورة. ومن الخير لها أن تحيط نفسها بصحبة صالحة تعينها على الثبات وتذكرها بالله.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن تُبنى عليه قرارات تخص الزواج أو العودة أو المال أو السكن. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا تجعل المرأة الحلم ميزانا لحياتها. وليكن حسن الظن بالله شعارها، ولتدعه أن يرزقها خيرا مما فقدت، وأن يجبر قلبها ويشرح صدرها، فإنه سبحانه قريب مجيب لمن دعاه.
