قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق في ماء كثير ثم ينجو منه، فيفسره بعض من يعرفون الأحلام على أنه نجاة من فتنة كانت تحيط به. والفتنة في اللسان العربي تُطلق على الاختبار والابتلاء وما يفتن القلب عن الحق من شهوة أو شبهة أو خلاف بين الناس. وهذا تفسير رمزي عام لا يُحمل على ظاهره، ولا يعني أن الرائي قد وقع بالفعل في أمر محرم، وإنما هو قراءة محتملة لحال القلب والمحيط.
يرمز الغرق في المنام عند كثير من المعبّرين إلى الانغمار في الدنيا وهمومها وما يشغل عن الآخرة، وقد يُحمل على الوقوع في بلاء أو فتنة تحيط بصاحبها كما يحيط الماء بالغريق. فإذا انتهى الحلم بالنجاة، فذلك يُفهم عادة على أنه سلامة من تلك الفتنة وبداية حال أفضل. ولذلك فإن هذا النوع من الرؤى يحمل بشرى حذرة، تدعو الرائي إلى الشكر والثبات، ولا تدعوه إلى الاغترار أو الأمن من مكر الله.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن من رأى أنه يغرق ثم نجا فقد يدل ذلك على سلامته من فتنة أو بلاء أو سلطان جائر، وأن الخروج من الماء علامة على التوبة والسلامة. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن الماء الكثير قد يرمز إلى فتنة عامة أو إلى متاع الدنيا، وأن العبور منه سالماً يدل على صحة الدين وسلامة القلب. ومع ذلك فإن أقوالهم متفاوتة، وليس فيها ما يوجب الجزم أو التسليم.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل المشهد. فالماء العكر المضطرب أقرب إلى فتنة معقدة ملتبسة، والماء الصافي أخف دلالة وأقرب إلى ابتلاء يسير. والنجاة بالسباحة قد تدل على أن الرائي سلم بسعيه وحكمته، والنجاة بسفينة أو عون قد تدل على أن سبب الفرج سيأتيه من غيره. وإن خرج الرائي إلى أرض ثابتة وهادئة فذلك من علامات الاستقرار، وإن بقي يتلفت في الحلم خوفاً من الماء فقد يعبر عن حذر مطلوب بعد تلك التجربة.
وللرجل قد يرتبط الحلم بفتنة المال أو الجاه أو العمل أو الخلافات مع الناس. وللمرأة المتزوجة قد يتعلق بفتنة داخل الأسرة أو بين الأقارب أو في مواقع التواصل. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى ابتلاء من صحبة أو اتجاه فكري أو ضغط من محيطها. وللحامل قد يعبر عن رغبة في السلامة والستر والطمأنينة، فتكثر من الأذكار والدعاء، ولا تحمل الحلم على أمر محدد في واقعها.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي ما فعله عند النجاة: هل التفت إلى الماء الذي نجا منه أم مضى في طريقه؟ فمن مضى فقد يدل ذلك على عزمه على ترك ما كان يضره، ومن التفت قد يعبر عن تعلق نفس ببقايا ما نجا منه. وكذلك هل كان الماء يغمر مكاناً معروفاً أم مجهولاً، فالمعروف قد يشير إلى فتنة قريبة من بيئته، والمجهول إلى شيء أوسع وأعمّ.
وعملياً، فإن أنسب ما يقابَل به هذا الحلم أن يراجع الرائي علاقاته وبيئته وما يستهلكه من محتوى، فيبتعد عما يضعف دينه أو يوقعه في الحرج، ويقرّب ما يعينه على الطاعة والخير. وليحافظ على الأذكار والصلوات في أوقاتها، ويصاحب أهل الخير، ويستعيذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فإن أعظم ما يحفظ الإنسان في الفتن هو لزوم الطاعة وحسن الصحبة.
ومن الجانب النفسي، فإن أحلام الغرق والنجاة تعبر كثيراً عن خروج الإنسان من مرحلة اضطراب وبدئه استعادة توازنه، فهو في طور التعافي. ومن الحسن أن يمنح نفسه وقتاً للراحة، وأن يخفف من الضغوط، وأن يحيط نفسه بما يعينه على الثبات. وإن كان لا يزال يشعر بثقل أو قلق مستمر، فليتحدث مع شخص موثوق أو مختص ينصحه ويعينه على تجاوز ما مرّ به.
ويُستحب لمن رأى هذه الرؤيا أن يجعلها فرصة لتجديد النية والتوبة والعودة إلى ما يقرّبه من الله، فإن النجاة في المنام قد تكون رسالة لطيفة بأن باب الرجوع مفتوح. وليتذكر أن الفتن لا يعصم منها إلا الله، وأن العبد يحتاج في كل أحواله إلى لجوء صادق إليه وسؤال الثبات، وأن العلم النافع والصحبة الطيبة والعمل الصالح من أنفع الأسباب التي تعين على السلامة من الفتن والنجاة من تقلباتها.
ولا يخفى أن في النجاة من الفتنة نعمة تستحق الشكر، فمن سلم من فتنة فقد أنعم الله عليه بما لا يُقدَّر بثمن، وحقه أن يزداد حذراً وتواضعاً وألا ينسب النجاة إلى ذكائه وحده.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يقين فيه، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي أو حكم على النفس أو على الآخرين. وعلى المسلم أن يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يسأله الثبات حتى الممات، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يعصم من الفتن ويهدي إلى سواء السبيل.
