قد يرى الإنسان الذي يخاف الماء في اليقظة، بسبب تجربة قديمة أو رهبة فطرية من البحر والعمق، أنه يغرق في المنام، فيستيقظ وقلبه يخفق بشدة. وهنا ينبغي أن يُنظر إلى الحلم بعين مختلفة قليلاً، لأن الخوف الحقيقي من الماء قد يكون هو المصدر الأول للصورة، فلا يكون لها بالضرورة دلالة رمزية عميقة. وتفسير الأحلام باب رمزي لا يُحمل على ظاهره، وهو هنا أقرب إلى الانعكاس النفسي منه إلى الإشارة.
يرمز الغرق في الأحلام عند كثير من المعبّرين إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب أو الفتن. لكن من يخاف الماء تتولد في عقله الباطن صور الغرق بسهولة، فيعبّر بها عن أي قلق أو ضيق يعيشه، حتى لو لم يكن له علاقة بالمعاني الرمزية. فقد يكون الحلم تعبيراً عن الخوف من فقدان السيطرة في موقف حياتي ما، أو من قرار كبير يرهبه، أو من مجهول يقترب منه، وقد يكون مجرد صدى لرهبة قديمة لا غير.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الغرق يدل على الانغمار في الدنيا وأن النجاة منه علامة على السلامة. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن الأحلام التي تتبع خوفاً حاضراً في اليقظة هي من حديث النفس، ولا يُبنى عليها تأويل يخرج عن حال صاحبها. وهذه التفرقة بين الرؤيا الصادقة وحديث النفس مشهورة في أبواب الأحلام عند العلماء، وتنبّه الرائي إلى ألا يحمّل المنام فوق ما يحتمل من تفسير.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل الحلم. فإن كان الخوف في الحلم شديداً ومشابهاً لخوف اليقظة، فالأقرب أنه حديث نفس. وإن لاحظ الرائي أنه في الحلم كان أشجع مما هو عليه في الواقع وتعلم السباحة أو تحدى الماء، فقد يعكس ذلك رغبة داخلية في التحرر من هذا الخوف. وإن نجا أو أُنقذ فقد يدل على قدرة كامنة على تجاوز مخاوفه، وهذه دلالة طيبة تصلح أن تكون دافعاً للتغيير.
وللرجل الذي يخاف الماء قد يعبر الحلم عن خوفه من خوض تجربة جديدة أو مخاطرة في عمله. وللمرأة المتزوجة قد يعكس قلقها من أحداث مفاجئة في أسرتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى تخوفها من مستقبل غير واضح. وللحامل قد يكون الخوف الفطري مضخماً بسبب فترة الحمل وما فيها من حساسية، فعليها أن تطمئن نفسها بالذكر والدعاء، وأن تتجنب مشاهدة ما يزيد خوفها قبل النوم.
ومن الدقائق أن يسأل الرائي نفسه: متى بدأ خوفي من الماء؟ وهل مررت بتجربة قريبة مرتبطة به؟ وهل رأيت مشهداً مخيفاً في الأخبار أو الأفلام قبل النوم؟ فكثير من هذه الأحلام تتغذى على مشاهد حديثة. وإن لاحظ أن الحلم يتكرر كلما اقترب من موقف يرهبه، فقد يكون في ذلك مؤشر على أن خوفه الحقيقي ليس من الماء، بل من أمر آخر يرمز إليه الماء.
وعملياً، فمن المفيد أن يتعامل الإنسان مع خوفه تدريجياً وبرفق، كأن يتعلم السباحة في مكان آمن بمرافقة مدرب، أو يقترب من الماء خطوة خطوة، فالتعرض المتدرج يخفف الرهبة بإذن الله. وليحرص على القيام بالأسباب الاحتياطية عند الاقتراب من الماء الحقيقي، فهذا من الحذر المشروع، مع التوكل على الله دون وسوسة ولا خوف مفرط يمنعه من حياته الطبيعية.
ومن الجانب النفسي، فإن الخوف الشديد من الماء قد يكون في بعض الحالات رهاباً يستفيد صاحبه من استشارة مختص يعينه على تجاوزه بأساليب علمية هادئة. وإن تكررت الكوابيس وأثرت في النوم والراحة، فلا حرج أبداً في طلب المساعدة، فهي من الأخذ بالأسباب. وإلى جانب ذلك، فإن الحرص على النوم المنتظم وتجنب المنبهات والمشاهد المخيفة قبل النوم يخفف كثيراً من هذه الأحلام.
ولا بأس أن يدون الرائي أحلامه المتكررة في دفتر صغير بجانب سريره، فقد يكتشف نمطاً يربطها بوقت أو موقف معين، كالامتحانات أو مواعيد العمل أو الخلافات. وإذا عرف مصدر القلق الحقيقي سهل عليه علاجه بصورة مباشرة بدلاً من أن يتعامل مع صورة الماء وحدها. وهذا من الفهم العملي الهادئ الذي يخفف من حدة الأحلام ويعيد للنفس طمأنينتها بتوفيق الله.
وليحذر الرائي كذلك من أن يتحول تجنبه الماء إلى حرمان من أنشطة نافعة أو ممتعة، فالتدرج واللطف مع النفس هما الطريق الأقرب إلى تجاوز الرهبة بإذن الله، ولا عيب في طلب العون.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا ينبغي أن يزيد صاحبه خوفاً. وعلى المسلم أن يقابل ما يراه بالاستعاذة بالله والدعاء وحسن الظن به، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي يسكّن القلوب ويؤمّن الخائفين ويحفظ عباده أينما كانوا.
