يعمل بعض الناس في البحر، كالصيادين والبحارة وعمال السفن والموانئ والغواصين، فيرون أحياناً في منامهم أنهم يغرقون، فيستيقظون بقلق مضاعف لأن الحلم يلامس صميم عملهم. وأول ما ينبغي بيانه أن هذه الرؤيا في الغالب انعكاس طبيعي لما يعيشه صاحبها كل يوم من مخاطر ومشقة، وليست نذيراً بما سيقع. وتفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، ولا يصح أن يترك صاحبه عمله أو يخاف خوفاً زائداً بسببه.
الغرق في المنام يرمز عند المعبّرين عموماً إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب أو الفتن. لكن حين يرى من يعمل في البحر هذا الحلم، فإن العقل الباطن يستعير صوراً من بيئته المألوفة ليعبر بها عن قلق قد يكون ماليّاً أو مهنياً أو أسرياً، كتقلب الرزق مع الموسم أو الطقس أو ثقل الغياب الطويل عن البيت. فكأن البحر يصبح لغة الرائي الخاصة التي يترجم بها هموم حياته المعتادة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الماء يرمز إلى الدنيا وما فيها من أرزاق وابتلاءات، وأن الغرق يدل على الانغمار في أمر من أمورها، وأن النجاة منه علامة سلامة. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن الرؤيا تتأثر بحال الرائي ومهنته، فتكون في حقه أقرب إلى حديث النفس منها إلى الإشارة، وأن أهل كل صنعة يرون في منامهم ما يتصل بصنعتهم. وهذا يوافق ما يعرفه الناس من تأثر الأحلام بالحياة اليومية، والأمر على كل حال اجتهادي.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان البحر هادئاً والرائي يغرق دون عاصفة، فقد يعبر عن ثقل نفسي أو إرهاق متراكم أكثر من كونه خطراً. وإن كانت الأمواج عاتية فقد يعكس قلقاً من تقلب الرزق أو من ظرف صعب في العمل. وإن نجا الرائي أو أُنقذ بزملائه فذلك علامة على سند وعون، وإن ظهر في الحلم مركب أو ميناء فقد يُستأنس به على قرب الفرج. أما إن كان الرائي معتاداً الغوص فقد يرتبط الحلم بالخوف من الضغط والعمق.
وللرجل البحار قد يعبر الحلم عن مسؤوليته أمام أسرته وقلقه عند الغياب عنها. وللمرأة التي يعمل زوجها أو ابنها في البحر قد يكون الحلم صدى لخوفها الطبيعي عليه وانتظارها لعودته، ولا ينبغي أن تحمله على أمر مكروه. وللفتاة التي ينتمي أهلها لمهنة البحر قد يكون من أثر قلقها على أبيها أو أخيها. وللحامل التي ينتظر زوجها بين سفرات البحر قد يكون من أثر الاشتياق والحساسية، فعليها ألا تخاف وتكثر من الدعاء.
ومن الدقائق التي يُلتفت إليها أن ينظر الرائي هل كان الغرق في بحر يعرفه أم في بحر مجهول، وهل كان وحده أم مع طاقمه، وهل كان الخوف من الماء أم من فقدان ما يحمله من رزق أو أدوات. فالتفاصيل تكشف مصدر القلق الحقيقي، وقد يكون هماً مالياً أو إرهاقاً أو خوفاً من حادث سبق أن سمع به. وليس كل ما في الحلم رمزاً، ففيه بقايا الأخبار والذكريات التي تتراكم في النفس.
وعملياً، فإن صاحب هذه المهنة يحسن به أن يلتزم أسباب السلامة كاملة، كمعاينة المركب والمعدات وارتداء وسائل الأمان والاستماع إلى تقارير الطقس وعدم المجازفة، فالحذر مشروع ولا ينافي التوكل. وليحافظ على أذكار الصباح والمساء والدعاء عند الركوب والسفر، وليحرص على وصية أهله وطمأنتهم، وعلى إنجاز التزاماته قبل الرحلات، فهذه كلها تُسكّن القلق وتجعله أكثر استعداداً وأقوى توكلاً.
ومن الجانب النفسي، فإن العمل الشاق في بيئة خطرة يولّد ضغطاً قد ينعكس على النوم والأحلام، وهو أمر معروف في المهن عالية المخاطر. ومن المفيد أن يتحدث الإنسان مع زملائه عن هذه المشاعر بدل كتمانها، وأن ينال قسطاً كافياً من الراحة بين الرحلات، وأن يمارس ما يهدّئ نفسه. وإن تكررت الكوابيس وتسببت في أرق مستمر أو خوف من العمل نفسه، فلا بأس أن يستشير مختصاً يعينه على تخفيف أثرها.
ومن الحسن أيضاً أن يتذكر من يرى هذا الحلم أن رزقه مكتوب، وأن الأخذ بالأسباب مأمور به شرعاً، وأن الخوف الزائد لا يزيد في عمر ولا ينقص، وإنما يضيّق على النفس. فليعمل بإتقان، وليتوكل على الله، وليشكره على ما أعطاه من قوة وصحة، وليسأله أن يحفظه ويحفظ رفاقه ويبارك له في رزقه. وبهذا يتحول القلق إلى يقظة نافعة وسكينة صادقة.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في العمل أو الترك. فعلى المسلم أن يقابل ما يراه بالدعاء والاستعاذة وحسن الظن بالله، وأن يعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وأنه سبحانه الحافظ لعباده في البر والبحر، وبيده الأمر كله.
