قد يرى الإنسان في منامه صديقاً مقرباً وهو يغرق في الماء، فيستيقظ منزعجاً ويتساءل إن كان صديقه في خطر. وهذا من الأحلام الشائعة بين من تربطهم صداقات وثيقة، وهو في الغالب انعكاس للمحبة والاهتمام أكثر من كونه خبراً عن واقع. وينبغي أن يُفهم من البداية أن تفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، وأن الرائي لا يحق له أن يخيف صديقه أو يظن به سوءاً بناءً على حلم عابر.
يرمز الغرق في المنام عند كثير من المعبّرين إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب، أو إلى فتنة تصيب الإنسان في دنياه. فإذا كان الغريق صديقاً، فقد يُفهم أنه يمر بضيق نفسي أو مالي أو انشغال شديد بدنياه، وقد يكون الحلم تعبيراً عن إحساس خفي لدى الرائي بأن صديقه يحمل همّاً لم يبح به. وقد يكون كذلك صدى لتغير في العلاقة بينهما، كابتعاد أو انشغال أو خلاف صغير لم يُحسم.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الغرق يدل على الانغمار في أمر من أمور الدنيا، وأن النجاة منه علامة على السلامة والتوبة. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن رؤية الأصحاب في الأحلام تعبّر عن حال الرائي نفسه أحياناً، فيكون الصديق مرآة لما في داخل الرائي، بينما رأى آخرون أنها تدل على حال الصديق ذاته. وهذا الاختلاف يؤكد أن الأمر اجتهادي، وأن التأويل الأسلم هو الأخف والأحسن ظناً.
ولتحديد المعنى بدقة أكثر ينظر الرائي إلى تفاصيل المشهد. فإن كان الماء صافياً هادئاً والصديق يطفو أو يمسك بشيء، فهذا أقرب إلى معنى الابتلاء الخفيف الذي يُجتاز بسلام. وإن كان الماء مضطرباً والصديق يصارع، فقد يرمز إلى ضيق أشد يحتاج فيه إلى سند. وإن نجا الصديق في النهاية أو ساعدته، فهذا من أبشر المعاني، إذ يشير إلى فرج قريب وإلى أن وقوفك بجانبه سيكون نافعاً له.
وللرجل الذي يرى صديقه يغرق، قد يكون الحلم انعكاساً لمودة عميقة وخوف عليه من تقلبات الحياة. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن قلقها على صديقة مقربة تعرف أنها تمر بظرف صعب. وللفتاة غير المتزوجة قد يكون صدى لصداقة قوية تخشى عليها من الفتور أو الغياب. وللحامل قد يكون من أثر تعاظم العاطفة والحساسية في هذه المرحلة، فلا تحمله على أي سوء ولا تقلق بسببه.
ومن التفاصيل التي تُلتفت إليها أن يتذكر الرائي هل كان هو الذي يحاول إنقاذ صديقه أم كان مشاهداً عاجزاً. فمن حاول المساعدة فقد يعكس ذلك استعداده للوقوف مع صديقه، ومن شعر بالعجز فقد يعكس رغبته في أن يفعل أكثر مما يستطيع. وكذلك تأتي دلالة المكان، فالبحر الواسع غير البركة الصغيرة، والأول يرمز إلى أمر أكبر وأعمق من الثاني، وكل ذلك على سبيل الاستئناس لا الجزم.
وفي الجانب العملي، لا بأس أن يبادر الرائي بالاتصال بصديقه والاطمئنان عليه بلطف، دون أن يذكر له ما رآه بصيغة مخيفة. فقد يكون في الاتصال خير كثير، إذ يشعر الصديق بأن هناك من يهتم به، ويفتح باب الحديث عما يثقله. فإن لم يكن لديه ما يشكو منه فقد زادت المودة بينهما، وهذه ثمرة طيبة لحلم قد يكون بدأ مقلقاً. والصحبة الصادقة نعمة تستحق أن تُرعى.
ومن الناحية النفسية، فإن الأحلام التي يظهر فيها الأصدقاء في مواقف خطرة تنشأ غالباً من الانشغال الذهني بهم أو من أخبار سمعها الرائي عنهم أو من خوف عام من فقد الأحبة. وهي بذلك طبيعية جداً، ولا تحتاج إلى علاج، إلا إذا تكررت وأثرت في نوم الرائي وراحته، فحينها يحسن أن يتحدث عن مخاوفه مع شخص يثق به، وأن يخفف عن نفسه بالذكر والرياضة والنوم المنتظم.
وقد يكون من أجمل ما يخرج به الرائي من هذا الحلم أن يراجع علاقته بأصدقائه عموماً: متى آخر مرة سأل عنهم؟ وهل أدى حقهم في الود والنصيحة والدعاء؟ فالصداقة الصالحة من أعظم ما يعين الإنسان على الشدائد، وهي تحتاج إلى رعاية دائمة كما يحتاج الغرس إلى الماء. وقد تكون هذه الرؤيا تذكيراً هادئاً بأن الأوقات الصعبة لا تعبرها النفوس وحدها، وأن الكلمة الطيبة قد تخفف عن الصديق ما لا يستطيع المال تخفيفه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي ولا حكم على صديق ولا قطيعة معه. والواجب أن يقابل المسلم ما يراه بالدعاء لأخيه بالسلامة والعافية، وأن يحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه، وهو الذي يحفظ عباده ويفرّج كروبهم.
