قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق في ماء أخضر اللون، كماء بحيرة أو بركة أو بحر مائل إلى الخضرة، فيتساءل عن دلالة هذا اللون في مشهد الغرق. وهذه من الرؤى التي تحتمل أكثر من وجه، فاللون الأخضر مألوف الدلالة في عالم الأحلام، لكن اجتماعه مع الغرق يضيف معنى آخر. ومن الواجب أن نتذكر أن تفسير الأحلام ظني اجتهادي، وأن ما يُذكر من الرموز على سبيل الاستئناس لا الحكم القاطع.
اللون الأخضر في الرؤى عند كثير من المعبرين من الألوان المحمودة، فهو يرمز إلى الخضرة والنماء والرزق والجنة والدين. وفي الذاكرة الإسلامية ارتبط الأخضر بثياب أهل الجنة وبالنعيم، مما جعل المعبرين يميلون إلى استبشاره. أما الغرق فهو رمز للانغمار في أمر من أمور الدنيا. فالجمع بينهما قد يُفهم بأن الرائي منغمس في أمر فيه خير ونماء كعمل أو علم أو أسرة أو رزق، وقد يشعر بثقله لكنه ثقل النعمة والمسؤولية.
ومع ذلك فللماء الأخضر وجه آخر، فهو قد يشير إلى الماء الراكد الذي غطته الطحالب، وهذا في الواقع علامة على الركود وقلة الحركة. ولذلك قد يعبر الغرق في الماء الأخضر الراكد عن انشغال بأمر قديم متعفن لا يتحرك، كعادة أو علاقة أو مشكلة لم تُحل. فالمعنى يتوقف على صفة الماء: هل هو صاف يتلألأ بخضرة جميلة، أم مظلم كدر يعلوه الطحلب. فالأول أقرب إلى الخير، والثاني أقرب إلى الكدر والملل.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الخضرة تدل على الدين والخير والرزق، وأن الماء إذا خالطه ما يكدره دل على همّ أو شبهة. وذهب بعض المفسرين إلى أن من غرق في ماء أخضر صاف فهو يقع في أمر واسع من أمور الرزق والنعمة، وأن العكر الأخضر قد يدل على هم لم ينته. وهذه التأويلات اجتهادات متفاوتة ولا يُجزم بها، ولا ينبغي أن يعتمد عليها في أمور المعاش.
ويتفاوت المعنى بحسب ما جرى في الحلم، فإن خرج الرائي من الماء الأخضر سالما فهذا من علامات الفرج، وإن بقي فيه فقد يحتاج إلى أن يراجع ما يشغله. وإن رأى حوله نباتات مائية جميلة أو زهورا فقد يشير ذلك إلى رزق وفضل. وإن رأى طحالب تلتف حوله فقد يعبر عن أمور تعيقه. وإن كان الغرق هادئا فقد يعبر عن رضا واستقرار، وإن كان مخيفا فقد يعبر عن قلق من أمر ينمو بسرعة لا يستطيع ضبطه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى انشغالها بأمر فيه خير كالعلم أو الزواج أو العمل، أو إلى خوفها من مسؤولية جديدة. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى انغماسها في شؤون بيتها وأولادها وهي نعم وأعباء معا. وللرجل قد يشير إلى مشروع زراعي أو تجاري ينمو أو عمل واسع. وللحامل قد يشير إلى النماء الذي يجري في جسدها، فالحمل نماء وخضرة في المعنى الرمزي. وهي معان محتملة فقط.
ومن الدقائق: هل شعرت بأن الماء دافئ أم بارد، وهل كان له رائحة، وهل رأيت فيه أسماكا أو أحياء أخرى، وهل كنت تجد الأرض تحت قدميك أم لا. وكذلك هل كانت الخضرة حولك على الشاطئ، فذلك قد يعبر عن بيئة داعمة. ويحسن ألا يبالغ الإنسان في استنتاج حقائق من لون واحد، فالألوان في الأحلام ترتبط كثيرا بذاكرة الرائي وما شاهده في يومه.
ومن الجانب النفسي، يظهر هذا الحلم أحيانا حين يشعر الإنسان بأنه محاط بأمر يتسع ويزيد، كمهام عمل أو دراسة أو التزامات أسرية، وإن كان بعضها من الخير. وقد ينفع أن يرتب أولوياته ويفوض ما يمكن تفويضه ويمنح نفسه فترات راحة. وإن كان الماء الأخضر يعبر عن ركود فليسأل نفسه عن الجديد الذي يمكن أن يضيفه إلى يومه من تعلم أو رياضة أو زيارة. وإن شعر بضيق متكرر فلا حرج في استشارة مختص أو شخص حكيم.
وقد يكون من المناسب لمن رأى هذا الحلم أن يتذكر أن الخضرة في الإسلام ارتبطت بالخير والبركة، فيحرص على ما ينبت من أعماله خيرا كزرع صدقة جارية أو علم ينتفع به. وليحذر في المقابل من أن تتحول النعمة إلى ركود وكسل، فإن الماء إذا لم يجرِ تغير، وكذلك النفس إذا لم تتحرك بالطاعة والعمل فسد حالها. فليجعل لنفسه ورد عبادة وعملا نافعا كل يوم، ولو كان يسيرا ما دام دائما.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار في المال أو الزراعة أو العمل أو غير ذلك. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فليحسن المسلم الظن بربه، وليدعه أن يبارك له في رزقه وعمله، وأن يكتب له من الخير ما يرضيه، فإنه سبحانه ذو الفضل العظيم.
