من الأحلام التي قد تثير الرهبة أن يرى النائم أنه سقط في بئر وغرق في مائه. وهذا المشهد يجمع بين الضيق والعمق والظلمة، فيستيقظ الرائي وقد ثقل صدره. وينبغي أن يتذكر أن ما رآه صورة رمزية مما يجري في النفس، وليس نبوءة بحادث. والتعبير فيه يرتبط بمعنى البئر في المنام أكثر من ارتباطه بمجرد الغرق، فهو حلم له رمزيته الخاصة التي يذكرها المفسرون.
البئر في التعبير القديم ترمز إلى المال المخزون أو الأسرار المدفونة أو المرأة أو الزوجة أو أمر عميق يحتاج إلى جهد في الوصول إليه. فإذا غرق الرائي في ماء بئر فقد يشير ذلك إلى استغراق في سر ثقيل يحمله وحده، أو إلى ضيق مالي خفي لا يطلع عليه أحد. وقد يعبر عن شعور بالحبس والعجز عن الخروج مما حوله. وقد يرتبط بذنب مستور يثقل الضمير ويتمنى صاحبه التخلص منه. وكل ذلك احتمال تقريبي لا يُقطع به.
نُسب إلى ابن سيرين أن البئر قد تدل على امرأة أو على مال أو على أمر مستور، وأن السقوط فيها قد يدل على الوقوع في حيلة أو ضيق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخروج من البئر سالماً دليل على الخلاص من الكرب. وذكر بعض المفسرين أن الغرق في ماء البئر العذب قد يخف حكمه لأن الماء العذب خير في ذاته. وتختلف وجهات النظر في ذلك اختلافاً ظاهراً، فلا يُركن إلى قول منها بإطلاق. فهي أقوال نقلية تقريبية ومجتهد فيها.
وتتغير الدلالة بحسب حال البئر، فإن كان ماؤها صافياً وعذباً فقد يكون المعنى قريباً من خير مستور سيظهر بعد جهد. وإن كانت مظلمة ماؤها آسن فقد يشير إلى ضيق أشد أو سر مثقل. وينظر أيضاً هل كان في البئر حبل أو دلو يتعلق به الرائي، فذلك رمز لوجود وسيلة للنجاة. وهل سمع أحد صراخه من أعلى، فيُفسر بوجود من يلتفت إلى حاجته. وتأتي حال الرائي بعد الخروج، إذ إن من خرج مطمئناً يُرجى له الفرج.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز الحلم إلى أمر تخفيه عن أهلها وتخشى انكشافه، أو إلى قلق من انغلاق الأبواب أمامها. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى مشكلة بيتية خفية تثقل صدرها، أو إلى هم يتعلق بالمال المدخر. وللحامل قد يكون انعكاساً للشعور بالضيق الجسدي والنفسي في بعض مراحل الحمل. وللرجل قد يدل على ضغط في الرزق أو على التزام لا يبوح به، ويُرجى له الفرج بالصبر والأخذ بالأسباب.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه ينادي طلباً للعون فيُسمع، وهو مما يُفسر بقرب النصرة من الأهل أو الأصدقاء. وإن رأى أنه يصعد جدار البئر بنفسه فقد يشير إلى اعتماده على جهده في الخلاص. وإن وجد في قاع البئر شيئاً نفيساً فقد يُفسر بخير يأتي من وسط شدة. وإن رأى البئر في بيته فقد يتصل الأمر بشأن أسري. وهذه كلها قرائن ظنية تضاف إلى حال الرائي.
أما من الناحية النفسية والعملية، فالحلم كثيراً ما يرتبط بشعور الكتمان أو الحبس، كأن يحمل المرء همّاً لا يشاركه أحداً. والنافع في ذلك أن يبوح بما يثقله لشخص أمين من أهله أو صديق مقرب أو مرشد ثقة، فإن البوح يخفف الثقل. ويفيد كذلك كتابة المشاعر على الورق ثم ترتيب خطوات عملية لحل ما يمكن حله. وإن تكررت هذه الأحلام وأقلقت نومه فليستشر مختصاً، فهذا لا ينقص من إيمانه شيئاً.
وتجدر الإشارة إلى أن ظلمة البئر وعمقها قد توحيان للرائي بأن الأمر أخطر مما هو، بينما قد يكون المقصود مجرد شعور بالعزلة أو بالحاجة إلى من يسمعه. فالإنسان قد يمر بفترات يحمل فيها همّه صامتاً حتى يتراكم في الداخل، فيظهر في المنام على هيئة مكان مغلق عميق. وفي هذا المعنى لا يكون الحلم تهديداً بل دعوة إلى الانفتاح على الآخرين والخروج من العزلة. ويكفي أن يخطو الرائي خطوة صغيرة نحو من يحب ليشعر بأن الحبل قد أُلقي إليه.
ومن الأمور المعينة أن يرجع الرائي إلى ورد يومي من الأذكار والدعاء وتلاوة ما تيسر من القرآن، فإن في ذلك سكينة للقلب وانشراحاً للصدر. ولا يُقصد من ذلك ربط الحلم بعبادة بعينها، وإنما هو توجيه عام لما يعين على الطمأنينة. ومن دعا ربه بصدق وأحسن الظن به رجا أن يفتح له أبواب الفرج من حيث لا يحتسب.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وليس وحياً ولا علماً قاطعاً، فلا يصح أن تُبنى عليه قرارات حقيقية. والغيب بيد الله وحده لا يعلمه سواه. فليكثر الرائي من الدعاء وحسن الظن بالله، وليستعذ بالله مما رأى، وليعلم أن ما يخيفه في المنام لا يضره بإذن الله.
