قد يحلم الإنسان أنه يغرق في ماء شديد البرودة يلسع جسده ويقبض أنفاسه، فيستيقظ وهو يرتجف وقد أحس بوحشة وانقباض. وهذا الحلم كثيراً ما يتأثر بالحالة الجسدية للنائم، فمن نام في غرفة باردة أو كشف عن نفسه الغطاء قد يرى الماء البارد في منامه دون معنى زائد. وإن لم يكن لذلك سبب فللبرودة في المنام دلالات رمزية يذكرها المفسرون، وهي اجتهاد ظني لا يقطع به.
البرودة في المنام ترمز في الجملة إلى السكون والجمود وفتور العاطفة، وقد ترمز إلى الراحة بعد تعب أو إلى الصبر على شدة. والغرق في الماء البارد قد يعبر عن شعور الرائي بأنه محاط بأجواء جافة المشاعر أو بعلاقات فاترة تخلو من الدفء. وقد يدل على صدمة مفاجئة أو خبر ثقيل أصابه بالذهول. وقد يرمز كذلك إلى هم هادئ صامت لا يظهر على صاحبه لكنه يؤثر في داخله بقوة.
نُسب إلى بعض أهل التعبير أن الماء البارد العذب قد يدل على راحة وصحة وفرج، بينما الشديد البرودة قد يدل على شدة أو برودة في المعاش. وذهب بعضهم إلى أن الغرق في ماء بارد قد يشير إلى هم ثقيل لا يسخن به قلب أحد، أي ضيق وحدة. ويرى آخرون أن الماء البارد في الصيف خير وفي الشتاء شدة. وتتباين الأقوال تبايناً كبيراً، ولا يوجد قول منها يُعد قاطعاً، فهي اجتهادات بشرية تحتمل الخطأ.
وتتغير الدلالة بحسب الموسم والحال، فإن كان الرائي يحلم بالماء البارد في أيام حارة فقد يكون المعنى أقرب إلى راحة بعد تعب. وإن كان في شتاء قارس فقد يعبر عن شدة وصعوبة. وإن كان الماء بارداً لكنه صافٍ فالأمر أخف، وإن كان بارداً مظلماً فالأشد. وإن خرج الرائي منه فتدفأ سريعاً فذلك دليل على قرب الفرج بعد الشدة. ومما ينظر فيه شعور الرائي وقت الحلم، أهو خوف أم صدمة أم سكون.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن شعورها بالوحدة أو بفتور في علاقة مهمة، أو عن صدمة عاطفية. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى برود في العلاقة الزوجية أو انشغال كل من الزوجين عن الآخر، فيحسن أن تبادر بتقريب القلوب. وللحامل قد يرتبط بالتغيرات الجسدية وحساسيتها للبرودة. وللرجل قد يدل على قسوة ظروف العمل أو ضغط يجعله ينغلق على نفسه.
ومن الدقائق أن يرى الرائي الجليد في الماء، فقد يعبر ذلك عن جمود في أمر ما ينتظر ذوبانه. وإن رأى أن الماء يدفأ شيئاً فشيئاً فهذا بشارة بتحسن الحال. وإن رأى أن أحداً يلفه بغطاء دافئ بعد الخروج فقد يدل على حنان سيأتيه من قريب أو صديق. وإن رأى أنه يرتجف دون أن يخرج فقد يتعلق الأمر بقلق لم يعالج. وكلها قرائن ظنية لا قطع فيها.
وفي الجانب النفسي، قد يكون الحلم صدى لفترة من العزلة أو الحزن الصامت، فالنفس إذا تألمت بلا بوح ظهرت آلامها في المنام صوراً باردة. وينفع هنا أن يبادر الرائي بالتواصل مع من يحب، وأن يطلب الدفء الاجتماعي من الأهل والأصدقاء، وأن يمارس نشاطاً بدنياً خفيفاً يرفع مزاجه. وإن طال به الحزن وتكررت الكوابيس فليستعن بمرشد موثوق أو مختص.
وللحلم جانب عملي بسيط، وهو الانتباه إلى حالة غرفة النوم وحرارتها وغطائها، فإن كثيراً من أحلام البرد سببها جسدي بحت. فإذا ضبط الإنسان بيئة نومه وجد الحلم يختفي من غير تفسير. وهذا من الأسباب المشروعة التي لا تتعارض مع الإيمان، بل هي من الأخذ بالأسباب. ولا يليق أن يُعمّل الخيال في تأويل كل مشهد.
وليتذكر الرائي أن الله هو الذي يبدل الحال من برودة إلى دفء ومن ضيق إلى فرج، وأن الدعاء من أعظم ما يستدفئ به القلب. ومن الأذكار ما يبعث على السكينة ويملأ القلب أنساً. فمن داوم عليها وجد في نفسه راحة وانشراحاً، وقلت عنده الأحلام المنغصة.
وقد يتساءل الرائي هل للبرودة معنى في الدين أو الدنيا، والجواب أن ما ذكره المفسرون في ذلك لا يتجاوز كونه تقديرات عامة تختلف بحسب الأحوال، وليس لها أصل قطعي. فربما كان الماء البارد بشارة بالراحة عند شخص، وإنذاراً بالفتور عند آخر، ولذلك لا ينبغي أن يُقاس حال شخص على آخر في هذا الباب.
ومن الجيد أن يجعل الرائي من هذا الحلم مناسبة لتفقد علاقاته الدافئة وتعهدها، كأن يزور قريباً انقطع عنه أو يتصل بصديق قديم أو يجلس مع أهله جلسة صافية. فالدفء الإنساني من أعظم ما يطرد وحشة القلب، وهو سنة اجتماعية حسنة حث عليها الإسلام في صلة الرحم وحسن الجوار وإفشاء السلام.
وفي الختام، إن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يبنى عليه قرار حقيقي، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنحسن الظن به سبحانه ولندعُه بالعافية والراحة، ولا نجعل من الحلم سبباً للقلق أو سوء الظن بأحد.
