يرى بعض الناس في منامهم أن سيلا جارفا هجم عليهم وحملهم معه حتى غرقوا فيه، فيستيقظون وقلوبهم تخفق من هول المشهد. وهذه من الأحلام المخيفة التي يكثر السؤال عنها، لما فيها من القوة والاندفاع وفقدان السيطرة. ومن الواجب أن نذكر أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا يُقطع به، وأن هذه الرموز لا تعني حدثا بعينه. فالحلم ليس إنذارا بكارثة، بل صورة رمزية قد تعبر عن شعور داخلي بالضغط والاندفاع.
السيل في الرموز يدل عند كثير من المعبرين على الفتنة العامة أو الأحداث الكبيرة التي تجرف الناس كالأزمات والتغيرات المفاجئة، وقد يدل أيضا على كثرة الخير إذا كان نافعا ينبت به الزرع. فالسيل سلاح ذو حدين: قد يكون رحمة تروي الأرض، وقد يكون بلاء يهدم ويجرف. ولذلك فإن الغرق في سيل جارف يعبر في الغالب عن انغمار في أحداث تأتي بسرعة وقوة تفوق قدرة الإنسان على التحكم. وهو يعبر عن شعور بالعجز أمام ما هو أكبر منه.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السيل قد يدل على عدو أو جيش أو فتنة تجتاح أو على بلاء من سلطان، وأن النجاة منه تدل على السلامة من ذلك. وذهب بعض المفسرين إلى أن السيل إذا لم يضر أحدا فهو خير ورزق، وأن السيل الذي يهدم ويغرق هو بلاء وفتنة. وذكر آخرون أن من نجا من السيل خرج من فتنة عظيمة بسلام. وهذه أقوال متفاوتة ولا يصح الجزم بها، ولا ينبغي أن تُحمل على أن شيئا سيقع.
ويختلف المعنى بحسب تفاصيل الحلم. فإن كان السيل يجرف الرائي وحده بينما الناس في أمان فقد يعبر عن هم شخصي. وإن كان يجرف الجميع فقد يعبر عن قلق من أحوال عامة أو أخبار مقلقة. وإن نجا الرائي وتشبث بشجرة أو صخرة أو صعد إلى مكان عال فذلك مبشر بالنجاة وبسند يحفظه بإذن الله. وإن كان الماء صافيا فهو أخف من العكر المحمل بالطين. وإن استيقظ في وسطه فقد يعبر عن توتر لم ينته.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن أحداث متسارعة في حياتها أو ضغوط من حولها تشعر أنها تجرفها بعيدا عما تريد. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن أزمة أسرية أو ضغط من أحداث تتوالى على بيتها. وللرجل قد يعبر عن أزمة مالية أو مهنية أو أخبار عامة تقلقه كالأوضاع الاقتصادية. وللحامل قد يعبر عن قلق من الولادة وتسارع التغيرات في جسدها. وكل ذلك قراءات محتملة ولا تُبنى عليها أحكام.
ومن الدقائق التي تُنظر: قوة السيل وهل كان يجرف بيوتا وسيارات أم لا، ومصدره وهل نزل من جبل أو شارع، وهل رأيت ناسا يهربون أو ينقذون بعضهم، وهل نجوت في النهاية. فرؤية الناس يتعاونون في مواجهة السيل تدل على أن الأزمات تُجتاز بالتعاون. وهل شاهدت جبلا أو مكانا مرتفعا ولجأت إليه، فالجبل رمز للثبات والاعتصام. وهذه التفاصيل تُستأنس بها فقط.
وقد جاء في القرآن الكريم ذكر قوم نوح عليه السلام وأن الله أنجى من آمن به في السفينة، وفيه عبرة بأن النجاة بيد الله وبالاعتصام بحبله. وكذلك فإن الأحداث الكبرى لا ينجو منها المرء إلا بتوفيق الله ثم بالتمسك بالحق. وهذا المعنى يصلح أن يتأمله الإنسان إذا رأى هذا الحلم، فيزداد تمسكا بدينه وصحبته الصالحة وأهله، ويقوي توكله على الله.
ومن الجانب العملي، فإن من كانت تقلقه الأوضاع العامة من أخبار وأزمات فليقلل من متابعتها المفرطة، وليكتف بما يلزمه منها، فإن الإفراط في التعرض للأخبار المقلقة يزيد من الكوابيس. وليحرص على ادخار بسيط للطوارئ وتنظيم أوراقه المهمة، وهذا من الأخذ بالأسباب لا من الخوف. ثم ليترك الباقي لله مطمئنا.
ومن الناحية النفسية، فإن الأحلام التي يظهر فيها السيل الجارف تعبر عن مشاعر الاجتياح والعجز. وقد ينفع أن يتحدث الإنسان عما يقلقه، وأن يمارس تمارين التنفس والاسترخاء قبل النوم، وأن يحافظ على روتين نوم ثابت. وإذا تكررت هذه الكوابيس وأثرت في حياته فمن المناسب استشارة مختص يعينه على استعادة الشعور بالأمان.
ومن اللطائف أن الجبال والأماكن المرتفعة في الأحلام ترتبط بالثبات والاعتصام، فمن لجأ إلى مكان عال أثناء السيل في المنام فقد يُستأنس بذلك على ثباته على دينه وقيمه وسط الفتن. وليكن من أعظم ما يتخذه المسلم في أوقات الفتن تقوى الله والرجوع إلى كتابه وسنة نبيه، فإن في ذلك عصمة لا تجرفها السيول.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في سفر أو مال أو غير ذلك، ولا أن يُتخذ سببا للهلع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء. فليحسن المسلم الظن بربه، وليدعه أن يحفظه وأهله من كل فتنة وبلاء، فإنه سبحانه خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
