من الأحلام التي تثير شعورا بالعجز أن يرى الإنسان نفسه واقفا على رمال متحركة تبتلع قدميه شيئا فشيئا، وكلما تحرك ازداد غوصا. وهذا المشهد يتكرر في أحلام كثيرين رغم أنهم قد لا يعرفون الرمال المتحركة في الواقع، وهو يحمل رمزية قوية. ومن الواجب أن نذكر أن تفسير الأحلام ظني اجتهادي لا قطعي، وأن هذه المعاني للاستئناس. فالحلم ليس إنذارا بحدث، وإنما قد يعبر عن حال نفسية أو ظرف معين.
الرمل في الرموز قد يدل على الدنيا والأرض الواسعة أو على صحراء الحياة، وعلى أمر لا ثبات فيه. أما الرمال المتحركة فهي صورة لأمر يبدو ثابتا ثم يخون صاحبه، وكلما اشتد جهده في الخلاص منه ازداد تعلقا به. ولذلك فقد يعبر الحلم عن موقف أو علاقة أو التزام مالي أو عادة يجد الرائي نفسه عالقا فيها. وفي ذلك درس بأن الاندفاع والتخبط قد يزيد الأمر سوءا، وأن الحكمة تقتضي الهدوء والاستعانة بالآخرين.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الرمل قد يدل على كثرة الأموال أو على الأمور التي لا ثبات لها، وأن السقوط في الأرض الرخوة قد يدل على ضيق. ولم يتناول المعبرون القدماء مشهد الرمال المتحركة بالتحديد بتفصيل مشهور، ولذلك اجتهد بعض المعاصرين في تأويله بحسب الأصول العامة للرموز. فذهبوا إلى أنه يعبر عن ورطة يصعب الخروج منها وحدها. وهذه الأقوال اجتهادية بحتة، ولا ينبغي اعتبارها منقولة عن الأئمة الأوائل.
ويتبدل المعنى بحسب تفاصيل الحلم، فإن جاء من ينقذ الرائي أو مد إليه حبلا فذلك يدل على عون يأتي من خارجه، وقد يكون من الأهل أو الصحبة أو من فضل الله. وإن استعمل ما يعينه كأن ألقى جسده على الأرض ليتوزع وزنه فقد يدل على حسن تدبير في الأزمة. وإن غرق حتى الصدر ثم استيقظ فقد يعبر عن قلق شديد دون نتيجة. وإن كانت الرمال في صحراء واسعة فقد يعبر عن وحدة، وإن كانت قرب ماء فقد يعبر عن أمر متصل بالرزق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن شعور بأنها محاصرة بتوقعات أو علاقة أو ظروف تعوق خطواتها. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن روتين أو مشكلة أسرية تكرر ولا تنتهي. وللرجل قد يعبر عن ديون أو التزامات تزداد كلما حاول الخلاص منها، أو عن عمل لا يتقدم. وللحامل قد يعبر عن ثقل الجسد وصعوبة الحركة. ومن الحكمة ألا تتعامل مع هذه الصور بوصفها أخبارا قاطعة.
ومن الدقائق: هل كنت وحدك أم معك أحد يحاول إخراجك، وهل كان الغرق ببطء أم بسرعة، وهل رأيت الأفق قريبا أم بعيدا. وهل بدأت بالصراخ أم بالهدوء، فالهدوء يوحي بمحاولة التعامل الحكيم. وهل نجوت في النهاية. فالنجاة تدل على تجاوز الأزمة بعد صبر. وهل كانت الرمال حارة أم باردة، فالحرارة قد تدل على ضغط أشد. ومع ذلك فلا ينبغي الإفراط في التحليل.
ومن الناحية النفسية، فهذا الحلم يظهر عادة حين يشعر الإنسان بأنه عالق في موقف يزداد تعقيدا كلما بذل جهدا للخروج منه، كدين يتضاعف أو علاقة سامة أو عمل مرهق. وفي مثل هذه الحال يفيد التوقف قليلا، وإعادة تقييم الأمر مع شخص حكيم، ووضع خطة بسيطة تدريجية بدل التخبط. ومن المفيد ألا يحمل الإنسان همه وحده، وأن يطلب النصيحة من أهل الخبرة. وإن تكرر الحلم مع قلق شديد فلا بأس بمراجعة مختص يعين على التفكير الهادئ.
ومن اللطائف أن الرمال المتحركة لا تبتلع الإنسان كما تُصور في الأفلام، وأن من يبقى هادئا ويتحرك ببطء قد يتمكن من الخروج منها، وهذا مما يصلح أن يكون عبرة في الحياة: أن الهدوء والصبر أنفع من الفزع والتخبط. فمن رأى هذا الحلم فليأخذ منه عبرة التأني في ما يعرض له من الأزمات، وألا يتخذ قرارا في لحظة هلع.
وقد يكون من الخير أن يراجع الإنسان ما إذا كان يتمسك بأمر ضار بسبب العادة أو الخوف من التغيير، كعلاقة لا تنفعه أو عمل لا يرضيه أو دين يتراكم. فإن الخروج من هذه الأمور يحتاج إلى شجاعة ومشورة، ويبدأ بخطوة صغيرة. وليستعن بالله، فإن من توكل على الله فهو حسبه، وإن الله بالغ أمره.
ومن المفيد كذلك أن يتذكر الرائي نعم الله عليه التي قد يغفل عنها في أيام الضيق، فإن النظر في النعم يوسع الصدر ويهدئ القلب. وليكتب في ورقة ثلاث نعم يشكر الله عليها كل يوم، فإن للشكر أثرا عجيبا في تخفيف الهم والقلق.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الحياة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي ينجي من الضيق. فلنحسن الظن بربنا، ولندعه أن يخرجنا من كل ورطة، وأن يرزقنا الحكمة والصبر، فإنه سبحانه قريب مجيب الدعوات.
