قد يرى الإنسان في منامه أن المطر ينهمر بغزارة حتى يتجمع الماء حوله فيغرق فيه أو يكاد، فيمتزج في نفسه الإعجاب بالمطر والخوف من الغرق. وهذه رؤية مألوفة تثير تساؤلات لأن المطر في الأصل رمز محبب. ومن الواجب أن نذكر أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا يُقطع به، وأن المعاني الواردة هنا للاستئناس فقط. فالحلم ليس إخبارا بما سيقع، وإنما رموز تُقرأ على ضوء حال الرائي.
المطر في القرآن الكريم رحمة من الله ورزق ونعمة، يحيي الأرض بعد موتها وينزل بركة على العباد، ولذلك فإن المعبرين يميلون في الغالب إلى جعله رمزا للرحمة والرزق والخير. لكن غزارته إذا بلغت حد الغرق قد تعبر عن فيض كبير يثقل صاحبه، كنعمة تنزل دفعة واحدة أو مسؤوليات تأتي بغتة. وقد يعبر الحلم أيضا عن فتنة أو ابتلاء إذا كان المطر مصحوبا بسيل أو عاصفة. ولذلك فالحلم يحتمل الوجهين بحسب تفاصيله.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن المطر قد يدل على الرحمة والخير إذا كان نافعا، وعلى البلاء إذا كان ضارا أو مصحوبا بما يؤذي. وذهب بعض المفسرين إلى أن المطر الذي ينزل في وقته ولا يضر يدل على رزق ونفع، وأن المطر الذي يغرق ويهدم قد يدل على فتنة أو ظلم من حاكم أو ضيق. وأما الغرق عموما فهو عندهم رمز للانغمار في هم أو فتنة. وهذه الأقوال متفاوتة ولا يصح الجزم بها.
ويتبدل المعنى بحسب شدة المطر وصفة الماء، فالمطر الهادئ الذي يجتمع ماؤه صافيا أقرب إلى الرحمة والرزق حتى لو شعر الرائي بالغرق. والمطر العنيف المصحوب برعد وبرق وظلمة أقرب إلى الاضطراب والمخاوف. وإن رأى الرائي أن الناس يفرحون بالمطر حوله فذلك دليل على خير يعم. وإن كان وحده يغرق والناس في أمان فقد يعبر عن همّ شخصي. وإن نجا فهو بشرى بالسلامة بعد شدة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن رحمة تنزل عليها بعد ضيق، أو عن مشاعر فياضة تغمرها، أو عن حيرة بسبب كثرة ما يأتيها من فرص. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى رزق وفير أو إلى أولاد أو إلى ضغوط تأتيها مجتمعة. وللرجل قد يشير إلى رزق ينزل بعد انتظار أو إلى أعباء تأتي دفعة واحدة. وللحامل قد يعبر عن رحمة ورزق مرتبط بالمولود، أو عن مشاعر فياضة. وهي معان محتملة لا أكثر.
ومن الدقائق: هل كان المطر في النهار أم الليل، وهل رأيت قوس قزح أو شمسا بعد المطر، وهل شعرت بالبرد أم بالدفء، وهل كان الماء يتجمع في الشارع أو في البيت أو في حقل. فالماء في الحقل أقرب إلى الخير، وفي البيت قد يعبر عن أمور تتعلق بالأسرة. ومن رأى شمسا بعد المطر فذلك مبشر بالفرج بعد الشدة. وهذه التفاصيل يمكن للإنسان أن يستأنس بها دون مبالغة.
وقد ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: اللهم صيبا نافعا، وكان يدعو عند نزوله. فمن رأى هذا الحلم فليقل هذا الدعاء المأثور، وليسأل الله أن يجعل ما ينزل عليه خيرا ورحمة لا ضررا. وفي ذلك استثمار جميل لهذا النوع من الرؤى، إذ يتحول الحلم إلى مناسبة للدعاء والرجاء.
ومن الناحية النفسية، فإن مشهد المطر الغزير الذي يتحول إلى فيضان قد يعبر عن مشاعر تفيض عن الاحتمال، سواء كانت فرحا أو حزنا أو ضغوطا. وقد ينفع أن يمنح الإنسان نفسه فرصة للتعبير عن مشاعره بالكتابة أو الحديث، وأن ينظم التزاماته حتى لا تأتي مجتمعة. وإن شعر بإرهاق متكرر فلا بأس من استشارة مختص أو صديق حكيم.
ومن المفيد أن يتذكر الإنسان أن للمطر وقتا يُستجاب فيه الدعاء كما ورد في بعض الآثار، فليغتنم نزول الغيث في اليقظة بالدعاء لنفسه ولأهله وللمسلمين. وليحرص على شكر النعمة حين تأتي، فإن الشكر يحفظها ويزيدها. وقد يكون في الحلم دعوة إلى أن ينظر الإنسان في نعم الله الكثيرة التي تغمره دون أن ينتبه إليها، فيقابلها بالحمد والعمل الصالح. وبذلك يتحول مشهد الغرق في المطر من مصدر قلق إلى باب لتجديد الصلة بالله.
وقد يكون من الحكمة كذلك أن يتأكد من أن بيته مهيأ لموسم الأمطار إن كان قريبا، فيصلح السقف والمصارف ويحتاط لما يلزم، فإن الأخذ بالأسباب العملية من مقتضيات التوكل. ولا يعني ذلك أن الحلم تنبؤ بما سيقع، بل مجرد تذكير بحسن الاستعداد.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في الرزق أو العمل أو الاستثمار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته. فليحسن المسلم الظن بربه، وليسأله أن يرزقه من فضله وأن يصرف عنه كل سوء، فإنه سبحانه الولي الحميد.
