من الأحلام المتناقضة في شعورها أن يرى الإنسان أنه يغرق في ماء دافئ لطيف، فيجتمع عنده الخوف من الغرق والراحة من دفء الماء. وهذا الحلم أخف في العادة عند أهل التعبير من الغرق في الماء البارد المظلم. وهو رمز لا ينبئ بشيء، والتأويل فيه اجتهاد ظني. وقد يتأثر بحالة الجسد وقت النوم كالحرارة أو الاسترخاء، فيرى الإنسان الماء دافئاً دون معنى زائد.
الدفء في المنام يرمز غالباً إلى الراحة والأنس والحنان وحسن العيش، والماء الدافئ قد يرمز إلى نعمة مريحة أو علاقة حانية أو حالة اطمئنان. فإذا غرق الرائي فيه فقد يدل على استغراقه في أمر مريح ممتع يشغله عن واجباته، كأن ينغمس في ترف أو دعة أو عادة تأخذ من وقته. وقد يعبر عن ركون إلى الراحة حتى يغيب عن مسؤولياته. وقد يكون كذلك إشارة إلى حاجة نفسية إلى الراحة والاحتواء بعد فترة تعب طويلة.
نُسب إلى بعض المفسرين أن الماء الحار قد يدل على هم أو مرض، وأن الفاتر الدافئ المعتدل أخف من ذلك وأقرب إلى العافية. وذهب بعضهم في ما يُنسب إلى النابلسي إلى أن الماء الدافئ قد يدل على راحة بعد تعب أو شفاء من سقم. ويرى آخرون أن الغرق فيه ولو دافئاً دلالة على انغماس في الدنيا. وتختلف الأقوال في ذلك، وليس منها ما هو قطعي، وهي في النهاية اجتهادات يحتمل فيها الخطأ.
وتتغير الدلالة بتغير درجة الحرارة، فإن كان الماء دافئاً معتدلاً فالغالب أنه خير ونعمة، وإن كان شديد الحرارة قريباً من الحار فقد يدل على ضيق وشدة. وإن كان الغرق بطيئاً هادئاً فقد يشير إلى استسلام للراحة، وإن كان مضطرباً مع الدفء فقد يدل على تناقض في المشاعر. وإن خرج الرائي منه مرتاحاً فهو دليل على أنه سيأخذ من النعمة بقدر ما يحتاج دون أن تطغى عليه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن انغماس في مشاعر حالمة أو علاقة عاطفية تشغل قلبها، أو عن ركون إلى ما يريحها. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى استقرار في بيتها مع حاجتها إلى لحظات راحة لنفسها. وللحامل قد يعكس دفء الحمل وحاجتها إلى الاسترخاء والرعاية. وللرجل قد يدل على ميل إلى الراحة والدعة أو إلى انغماس في عمل مريح يغفل عن غيره.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه يطفو على الماء الدافئ بسهولة بعد الخوف، وهذا قد يعبر عن استسلام للقدر بطمأنينة. وإن رأى بخاراً فوق الماء فقد يدل على ضبابية في رؤية الأمور. وإن رأى أحداً معه في الماء فقد يتصل الأمر بعلاقة قريبة. وإن رأى نفسه نعساً في الماء فقد يعني غفلة تحتاج إلى يقظة. وكلها قرائن ظنية تُقرأ بحذر.
وفي الجانب النفسي، قد يعبر الحلم عن حاجة حقيقية إلى الراحة، فالنفس المتعبة تبحث عن دفء المنام. ومن المفيد أن يمنح الرائي نفسه وقتاً للراحة المشروعة، دون إفراط ولا تفريط، فالتوازن بين العمل والراحة مطلوب. وقد جاء في الشرع الحث العام على إعطاء النفس حقها. وإن أحس بميل شديد إلى الانعزال والاسترخاء المفرط فليحدث من يثق به.
ومما ينبه إليه الحلم أن النعمة قد تكون فتنة إذا ألهت عن الواجب، فيحسن بالرائي أن يوازن بين ما يمتعه وما يلزمه، وأن يقدم الفرائض والواجبات على الراحات. وهذا لا يعني أن الراحة ممنوعة، بل أن تكون في موضعها المناسب. ومن سلك الوسط سلم من الإفراط والتقصير معاً.
ويحسن شكر الله على نعمة الراحة والدفء والأمن، فكم من إنسان محروم منها. ومن شكر النعمة زادت وبقيت. ويستعين الرائي بالدعاء أن يرزقه الله التوازن والعافية. وهذا خير ما يقابل به مثل هذه الرؤى.
وقد يرى الحلم من يعيش في بلد حار أو يستعمل الحمامات الساخنة كثيراً فيتأثر بذلك في منامه، ولا يكون للحلم حينها دلالة رمزية. كما قد يراه من تناول دواء أو طعاماً دسماً قبل النوم فارتفعت حرارته. وفي هذه الأحوال يكفي أن يلتفت الإنسان إلى جسده وما يعرض له، ولا حاجة إلى التفكير في الرموز.
ومما يُلاحظ أن أحلام الماء الدافئ قد تكون أحياناً أحلام راحة وأمان تدل على حاجة صاحبها إلى الاحتواء، فلا يُفترض فيها شر. وكثير من الأحلام تحمل رسائل هادئة من النفس إلى صاحبها كي يرفق بها ويمنحها حقها من الراحة والسكينة. وهذه نظرة مطمئنة تناسب مثل هذا الحلم.
ثم إن الرائي إذا استيقظ فليذكر الله، وليحمده على العافية، وليتذكر أن الراحة الكاملة في الآخرة، وأن الدنيا دار عمل ومجاهدة. وفي هذا التذكر توازن يجنبه الإفراط في الركون إلى الراحة والغفلة عن الواجب. وهو من أحسن ما يستفاد من مثل هذه الأحلام.
وخاتمة القول أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصلح أساساً لقرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنحسن الظن به سبحانه، ولنكثر من الدعاء، ولنمضِ في أمورنا مطمئنين.
