يرى كثير من الرجال في المنام أنهم يغرقون في ماء عميق، فيستيقظون بقلوب مضطربة ويتساءلون عن علاقة ذلك بعملهم أو أسرهم أو أموالهم. وهذه من الرؤى المألوفة التي تتكرر في أحوال الضغط والمسؤولية. ولا بد أن يُعلم أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا قطعي، وأن ما يُذكر فيه رموز تختلف باختلاف أحوال الناس. فالحلم ليس خبرا مؤكدا بما سيقع، وإنما قد يعبر عما يجول في النفس.
الغرق في الرؤى يدل على الانغمار في أمر من أمور الدنيا كالدين أو الفتنة أو الهم أو الذنب. وبالنسبة للرجل فإن ما يشغل باله في الغالب هو تبعات القوامة والإنفاق والعمل وما يتصل بها من التزامات. فقد يكون الماء رمزا لتدفق المطالب من كل جانب، وهو يحاول أن يبقى فوقها. وقد يدل أيضا على انغماسه في شهوة أو تجارة أو سلطان حتى كاد يغطيه، فيكون الحلم تنبيها إلى مراجعة الأولويات.
نُسب إلى ابن سيرين فيما نُقل عنه أن الغرق قد يدل على الوقوع في فتنة أو سلطان أو دين، وأن من غرق ونجا فقد خلص من ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من غرق في البحر ولم يخرج قد يُخشى عليه من الغفلة والذنوب، وأن من خرج منه تاب ورجع. وهذه الأقوال تُؤخذ بحذر، فقد اختلف فيها المعبرون، وليس فيها ما يوجب الخوف، بل هي دعوة إلى الاستغفار والمحاسبة. والله أعلم بحقيقة ما يراه الناس.
ويتبدل المعنى بحسب أحوال الماء وتفاصيله، فالبحر الواسع قد يشير إلى مسؤوليات كبيرة أو أسفار أو أعمال، والنهر إلى أمور أخف. والغرق في ماء صافٍ قد يدل على انشغال بالعلم أو الرزق، وفي ماء عكر على الشبهات والهموم. وإن نجا الرجل فذلك مبشر بالخلاص من ضيق أو دين أو خصومة. وإن أنقذه أحد فقد يدل على عون من صديق أو شريك أو قريب، وإن لم ينج واستيقظ فلا يعني ذلك سوءا بل قلقا لم يُحسم.
وإن كان الرائي تاجرا فقد يرتبط الحلم بقلق على رأس ماله أو ديونه أو صفقاته، وينبغي له حينئذ مراجعة حساباته بدقة والتزام الصدق والأمانة. وإن كان موظفا فقد يرتبط بضغط العمل أو الخوف من فقدانه. وإن كان طالب علم فقد يرتبط بكثرة المواد وضيق الوقت. وإن كان في ديون فلعل الحلم يعبر عن إحساسه بثقلها، وهذا يدعو إلى وضع خطة هادئة للسداد والتحدث مع أصحاب الحقوق بصراحة واحترام.
ومن الدقائق: هل غرق وحده أم مع أهله، فالغرق مع الأهل قد يعبر عن خوفه عليهم أو عن مسؤوليته تجاههم. وهل حاول النجاة أم استسلم، فالسعي دليل على عزمه. وهل ذكر الله أو نطق بالشهادة، فذلك مما يُستبشر به. وهل رأى طوق نجاة أو سفينة أو يدا ممدودة، فهذه كلها رموز للعون. ويحسن ألا يُهمل الرجل شؤون صحته وراحته، فقد يكون الحلم أثرا لإرهاق جسدي.
ومن الناحية النفسية والعملية، فإن الرجل كثيرا ما يكتم همومه ولا يبوح بها لأنه يرى نفسه سندا لغيره، فيتراكم الضغط حتى يظهر في أحلامه. ومن المفيد أن يتحدث إلى صديق أو أخ أو أب يثق به، وأن ينظم ميزانيته ويفرق بين الضروري والكمالي، وأن يحافظ على صلاته وأذكاره ورياضته ونومه. وإن تكرر الشعور بالغرق في يقظته فلا عيب في طلب مساعدة مختص، فإن الشدة لا تنقص من الرجولة بل الصبر وطلب العون من حسن التدبير.
ومما يحسن تذكره للرجل أن كثيرا من الهموم المالية والمهنية تبدو أثقل في الليل منها في النهار، وأن الأحلام في هذه الحال تضخم الشعور ولا تنقل حقيقة الأمور. فليقابل الرجل هذا الحلم بنظرة هادئة، وليسأل نفسه عما يستطيع فعله غدا لتخفيف الحمل، ثم ليترك الباقي لله. وقد كان من هدي السلف أن يجمعوا بين الأخذ بالأسباب والتوكل، فلا يتواكلون ولا يجزعون. وفي ذلك راحة عظيمة للقلب.
وقد يكون في الحلم تنبيه لطيف إلى ضرورة العناية بالصحة، فإن الرجل الذي ينسى نفسه في زحمة العمل قد يجد جسده يتحدث إليه بلغة الأحلام. فليحرص على النوم الكافي والغذاء المتوازن وصلاة الفجر في وقتها، فإن في البكور بركة وفي الصلاة طمأنينة. ولا يتردد في أن يخصص لأسرته وقتا حقيقيا، فإن القرب من الأهل أحد أهم مصادر السكينة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُتخذ سببا لترك عمل أو الدخول في آخر أو لاتخاذ أي قرار مالي. والغيب لا يعلمه إلا الله، فما قيل هنا إنما هو من باب الاستئناس. فليحسن الرجل الظن بربه، وليكثر من الاستغفار والدعاء بأن يكفيه الله بحلاله عن حرامه ويغنيه بفضله عمن سواه، فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
