تروي كثير من النساء المتزوجات أنهن رأين في المنام أنهن يغرقن في ماء عميق، وقد يكون ذلك في بحر أو نهر أو حتى في بيتهن. ويثير هذا الحلم في نفوسهن أسئلة حول الأسرة والزوج والأولاد وما يخبئه الغد. وينبغي من البداية أن نتذكر أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا يُقطع به، وأن الرموز فيه تختلف من امرأة إلى أخرى. فالحلم ليس إنذارا بحادث، وإنما قد يكون انعكاسا لما تعيشه المرأة من مسؤوليات ومشاعر.
الغرق في عالم الرموز يشير إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الفتن أو الذنوب، وعند المتزوجة يتصل غالبا بما يحيط بها من أعباء الأسرة. فالبيت والأولاد والزوج والعمل وصلة الأهل كلها مياه تتجمع حولها، وقد تشعر في بعض الأحيان بأنها لا تجد وقتا للتنفس. والماء في الأصل يرمز إلى الحياة والرزق، فإذا علا أكثر من اللازم صار ثقلا. ولذلك فقد يكون الحلم تعبيرا عن حاجة المرأة إلى الراحة والمساندة أكثر من كونه دليلا على أمر خارجي.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الغرق قد يدل على الوقوع في فتنة أو دين أو هم، وأن النجاة منه تدل على الخلاص. وذكر بعض من اشتغل بالتعبير أن غرق المرأة المتزوجة قد يرتبط بأمور الزوج والأولاد أو بما يعرض لها من ضيق في المعيشة، وأن النجاة تدل على زواله. وذهب بعضهم إلى أن الغرق في ماء صاف قد يحمل معنى الحمل أو الخير، بينما العكر منه يدل على همّ. وهذه الأقوال مختلفة ولا يُجزم بها، وتصلح فقط للاستئناس.
ويتغير التفسير بحسب حال الماء وما جرى في الحلم. فالماء الصافي الهادئ أقرب إلى الخير والسعة، والعكر الهائج أقرب إلى القلق والخلاف. وإن رأت أنها نجت بنفسها فذلك يدل على قدرتها على تجاوز ما يشغلها بصبرها وحكمتها. وإن أنقذها زوجها أو أحد أقاربها فقد يدل على سند يأتيها من أهل بيتها. وإن رأت أولادها في الماء معها فقد يرتبط الأمر بخوفها عليهم وحرصها على سلامتهم.
ومن الدقائق في حلم المتزوجة: هل كان الزوج حاضرا في المشهد أم غائبا، وهل كان يمد يده أم يقف بعيدا. فحضوره الداعم قد يعبر عن سند حقيقي، وغيابه قد يعبر عن شعورها بقلة العون. لكن ينبغي ألا تتخذ المرأة من الحلم حجة للشك في زوجها أو لاتهامه، فإن الأحلام لا تصلح أساسا لمثل هذه الأحكام. كذلك فإن رؤية بيتها يمتلئ بالماء قد تدل على كثرة الأعباء أو الخلافات، ويُستحب لها معها مراجعة أمور البيت بهدوء والتشاور مع زوجها.
وقد تختلف الدلالة إن كانت المرأة عاملة، فقد يعبر الغرق عن ازدواج الأدوار بين العمل والبيت، وإن كانت ربة منزل فقد يعبر عن الإرهاق من الروتين اليومي. وإن كانت تعاني ضيقا ماليا فقد يرتبط الحلم بالقلق من المصروفات والديون. وإن كانت في بداية الزواج فقد يرتبط بالتأقلم مع حياة جديدة ومسؤوليات جديدة. وفي جميع الأحوال فهذه قراءات محتملة وليست أحكاما ثابتة.
ومن التفاصيل التي تُذكر: لون الماء وعمقه، ووجود الأسماك أو الأوحال، وهل شعرت بالخوف أم بالسكينة، وهل كانت ترتدي ثيابا ثقيلة. فالسكينة أثناء الغرق قد تدل على صبر معتاد، والخوف قد يدل على قلق يحتاج إلى تفريغ. وهل خرجت إلى الشاطئ فذلك مبشر بالفرج. وكل هذه تفاصيل يُستأنس بها دون أن تتحول إلى هاجس أو توجس.
ومن الجانب النفسي والعملي، فإن هذا الحلم كثيرا ما يظهر حين تتراكم المهام على المرأة وتقل فرص راحتها. فمن المفيد أن تطلب العون من زوجها وأهلها، وأن توزع المسؤوليات داخل البيت، وأن تخصص وقتا يوميا لنفسها ولو قليلا للذكر والقراءة والمشي. وإن كان الضغط ماليا فلتتشاور مع زوجها في ترتيب المصروفات ووضع خطة واقعية. وإذا تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في نومها وصحتها فلا حرج في التحدث إلى مختصة أو إلى امرأة حكيمة تثق بها.
ومما يحسن ذكره أن المرأة المتزوجة قد تكتم همومها حرصا على راحة أسرتها، فتتراكم في داخلها حتى تخرج في صورة أحلام مثقلة. وفي مثل هذه الحال يكون الحديث الصريح مع الزوج بأسلوب هادئ ومحبب خيرا من الصمت الطويل، فإن كثيرا من الأعباء تخف بالمشاركة. وقد جعل الله بين الزوجين مودة ورحمة، فمن حسن استثمارها أن يتقاسما ما يثقل أحدهما. وليكن في البيت وقت للجلوس الهادئ والذكر المشترك، فإن البيوت التي يعمرها ذكر الله تقل فيها الوساوس والأحلام المزعجة بإذن الله.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن تُبنى عليه قرارات تتعلق بالزواج أو المال أو العمل أو غيرها. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما رأته المرأة قد يكون حديث نفس أو بشرى أو لا شيء. فلتحسن الظن بربها، ولتكثر من الدعاء بأن يصلح لها شأنها وبيتها وأولادها، ولتستعذ بالله من شر ما رأت، فإن الله هو الحافظ سبحانه.
