قد يرى الإنسان في منامه أنه غرق وبلغ منتهى الشدة، ثم يحدث له ما لم يكن في الحسبان: تحمله موجة إلى الشاطئ، أو يظهر له من ينتشله فجأة، أو يجد نفسه سالماً دون سبب ظاهر. وهذه من الأحلام التي يشعر صاحبها بعدها بالدهشة والامتنان، وكأن يد اللطف امتدت إليه. وتفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، ولا يصح أن يُقرأ منه وعد بحدث بعينه، لكنه يُستأنس به بوصفه إشارة إلى الأمل ورحمة الله.
الغرق في المنام يرمز عند المعبّرين عموماً إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب أو الفتن، وأما النجاة غير المتوقعة فتدل على فرج يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان. فقد يُفهم الحلم على أن الله سيفتح للرائي باباً لم يكن في حساباته، سواء في رزق أو علاج أو صلح أو أي شدة يعيشها. وهو معنى متفائل يتفق مع ما يعرفه المسلم من أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأن بعد العسر يسراً، دون أن يكون وعداً بنتيجة محددة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن النجاة من الغرق علامة على السلامة والتوبة وزوال الهم. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن الفرج المفاجئ في المنام يدل على لطف الله بعبده وتيسيره له من غير سبب ظاهر. وهم متفاوتون في التفصيل، فمنهم من حمله على الدين ومنهم من حمله على الدنيا، وكلها اجتهادات ظنية لا قطع فيها. والأسلم أن يؤخذ المعنى العام ويُترك التخصيص.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كانت النجاة بموجة أو تيار فقد تدل على أن الفرج سيأتي من ظروف لم يخطط لها. وإن كانت بيد ممدودة فهي عون إنسان. وإن كانت بلا سبب مفهوم فهي أقرب إلى معنى لطف الله الخفي. وإن شعر الرائي بالسكينة فهذا من علامات الخير، وإن شعر بالارتباك فقد يعبر عن صعوبة تصديق السلامة. وإن كان الماء عكراً ثم صفا بعد النجاة فذلك مما يُرجى به زوال الكدر.
وللرجل قد يعبر الحلم عن أمل بفرج في ضائقة مالية أو عمل أو صحة. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى انفراج في شأن أسري. وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس أملاً في أمر ضاق عليها كدراسة أو نصيب. وللحامل قد يكون صدى لطمأنينة تحتاجها، وأمل بسلامة المرحلة وتيسيرها، فتستبشر وتدعو الله، وتتابع حالتها الصحية مع من تثق به، دون أن تبني على الحلم توقعات جازمة.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي ما شعر به لحظة النجاة: شكر؟ بكاء؟ سجود؟ فالشكر عند النجاة علامة قلب حي، وهو أنفع ما يمكن أن يخرج به من الحلم. وأن يتأمل هل كان وحده أم معه أحد، وهل ظهر في الحلم ما يشير إلى مصدر النجاة. وإن لم يتذكر شيئاً من ذلك فلا يضره، فالمعنى العام من الأمل يكفي. وكل ذلك احتمالات لا يُقطع بها.
وعملياً، فإن البشارة المحتملة لا تلغي الأخذ بالأسباب، بل تزيد الهمة. فليواصل الرائي سعيه ودعاءه، وليجتنب الاتكال المجرد أو القرارات المتهورة بحجة أن الفرج قادم. وليستغل شعور الأمل في ترتيب أموره والتصالح مع من خاصمه والتوبة مما أهمله. وإن كان يمر بدين أو مرض أو خلاف، فليتعامل معه بحكمة وصبر، وليتذكر أن الله لا يضيع أجر المحسنين.
ومن الجانب النفسي، فإن أحلام النجاة العجيبة تعبر عن مرونة النفس وقدرتها على الأمل بعد الشدة، وهي علامة طيبة عموماً. ومن الحسن أن يحافظ الرائي على هذا الأمل بصحبة الصالحين وذكر الله والحركة والتفاؤل المتزن. وإن استمر القلق أو الحزن رغم هذه الأحلام، فلا بأس بطلب مشورة شخص موثوق أو مختص، فالأمل يحتاج أحياناً إلى سند عملي ليثبت.
ومن اللطائف أن في قصص الصالحين أن الله ينجّي من يشاء بلطفه حيث لا تُنتظر النجاة، وأن ذلك يزيد المؤمن يقيناً بأن الأمر كله بيد الله. فليحمد الرائي ربه، وليسأله حسن الخاتمة وتمام النعمة، وليبقَ على الشكر في السراء والصبر في الضراء، فهذا هو الطريق الذي يجعل كل ما يراه في منامه تذكيراً ينفعه لا مجرد صورة تعبر.
ولا بأس أن يتذكر الرائي مواقف نجا فيها في حياته الحقيقية من أمر ظنه لا مخرج منه، فإن استحضار هذه المواقف يقوي اليقين بلطف الله. وكثير من الناس يجدون في سرد هذه التجارب لأنفسهم ولأهلهم بعد كل شدة ما يثبّت قلوبهم، ويجعلهم أكثر شكراً وأخف خوفاً من المستقبل.
وليحذر من أن يجعل البشارة المحتملة مبرراً للتهاون في الأسباب، فالله أمر بالسعي، ومن توكل حق التوكل أخذ بما أمكنه ثم فوّض الأمر إلى ربه مطمئناً.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو السفر. وعلى المسلم أن يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه اللطيف الخبير، الذي ينجّي من يشاء بلطفه ويرحم من يشاء بفضله.
