قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق ويصرخ بأعلى صوته، لكن صوته لا يخرج أو لا يلتفت إليه أحد ممن حوله، وكأن الناس لا يرونه أو لا يسمعونه. وهذا من الأحلام التي تترك إحساساً ثقيلاً بالعجز والغربة. وتفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، وهو لا يدل على أن الناس سيتخلون عن الرائي أو سيقصّرون في حقه، وإنما يعبّر في الأغلب عن شعور داخلي بعدم الإنصات إليه أو الفهم له.
الغرق في المنام يرمز عند المعبّرين عموماً إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب أو الفتن. وانعدام من يسمع الصراخ يضيف بعداً آخر هو العزلة، فكأن الرائي يحمل همّه ولا يجد من يفهمه، أو يشعر أن ما يقوله لا يصل إلى مستمعيه. وهذا الشعور شائع بين من يمرون بأوقات حرجة، ويظنون أن ما بداخلهم لا يمكن أن يُفهم. وقد يكون الحلم رسالة نفسية بأن الوقت قد حان للتعبير بصورة أوضح.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الغرق ارتباطه بغلبة الدنيا والهم، وأن السلامة منه تدل على النجاة. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن العجز عن الكلام في المنام قد يرمز إلى ضغط أو خوف أو كتمان، لا إلى حكم بعينه. ولم يتفق المفسرون على تأويل واحد لهذا التفصيل، والأمر اجتهاد يرجع فيه إلى حال الرائي، وأحسن الاحتمالات أن يكون صدى لما يحمله من مشاعر مكبوتة.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان الناس حوله ينظرون دون أن يتحركوا، فقد يعبّر عن شعور بأن المحيطين لا يدركون عمق ما يمر به. وإن كان المكان خالياً تماماً، فهو أقرب إلى الشعور بالوحدة. وإن كان الصوت يخرج ضعيفاً ثم يقوى فقد يدل على بداية قدرته على التعبير. وإن ظهر في النهاية من يسمعه ويساعده فهذا من أبشر الصور، ويرمز إلى أن الفرج يأتي حتى بعد طول انتظار.
وللرجل قد يعبر الحلم عن ضغط يعاني منه دون أن يشكو، فالرجال أكثر ميلاً إلى الكتمان. وللمرأة المتزوجة قد يعكس شعورها بأن همومها لا تُسمع داخل البيت. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى إحساس بأن رأيها لا يُؤخذ به. وللحامل قد يعبر عن حاجتها العاطفية إلى من يصغي إلى مخاوفها، فلا حرج أن تطلب ذلك صراحة ممن تثق بهم، وأن تتحدث مع طبيبتها أو مرشدة في ما يقلقها.
ومن الدقائق أن يتأمل الرائي أين يشعر بأنه لا يُسمع في حياته الحقيقية: أفي عمله؟ في بيته؟ مع أصدقائه؟ فالحلم قد يعبر عن موقف محدد، ومعرفته تساعد في معالجته. وأن يتأمل أيضاً ما إذا كان هو نفسه يعبّر عن حاجته بوضوح، فقد يكون بعض عدم السماع ناتجاً عن غموض الرسالة وليس عن لا مبالاة الآخرين. وليس لهذه الأسئلة جواب قاطع، لكنها تفتح باب الفهم.
وعملياً، فإن من الحكمة أن يتحول الصمت إلى كلمات هادئة، فيحدد الرائي ما يحتاجه بالضبط، ويختار الوقت والشخص المناسبين، ويتحدث بلطف دون اتهام. وإن لم يجد أذناً مصغية في محيطه، فليبحث عن مرشد أو مستشار أو مجموعة دعم موثوقة. وليتذكر أن الله يسمع الدعاء في كل حال، وأنه سبحانه أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وأن نجواه إلى الله لا يضيع أثرها.
ومن الجانب النفسي، فإن الإحساس بعدم الإنصات إليه قد يتضاعف مع الإرهاق والعزلة الاجتماعية، وقد يظهر في كوابيس تتكرر. ومن المفيد أن يتصل الإنسان بمن يحب بانتظام، وأن يخرج من عزلته بخطوات صغيرة، وأن يكتب مشاعره إن عجز عن قولها. وإذا كان الحلم يتكرر ويتبعه حزن شديد أو شعور بفقد الجدوى من كل شيء، فمن الضروري أن يتحدث إلى شخص موثوق أو مختص دون تأجيل.
وقد يكون من المفيد أن يتعلم الإنسان فنّ الإصغاء لنفسه قبل أن يطلب إصغاء الآخرين، فيعرف ما يشعر به بالضبط، ويسميه، ثم يعبّر عنه بكلمات بسيطة. وهذه المهارة تُكتسب مع الوقت وتفتح أبواباً كثيرة للتفاهم والراحة، وتجعل الصوت المكتوم في الأحلام يجد طريقه إلى النور في اليقظة.
ولا بأس أن يذكّر الرائي نفسه بأن شعوره بعدم الإنصات لا يعني بالضرورة أن الناس لا يهتمون به، فقد يكونون مشغولين بهمومهم أو لا يعلمون ما يعانيه، وحين يتحدث بلطف يجد منهم ما لم يتوقعه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه ظن سيئ بأحد من الناس ولا قرار حقيقي. وعلى المسلم أن يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو السميع البصير الذي يعلم السر وأخفى، ولا يغيب عنه نداء مكروب ولا دعاء مضطر.
