كثيرا ما ترى المرأة الحامل في منامها أنها تغرق أو تقع في الماء، وقد تستيقظ مرتبكة وتخشى أن يكون في ذلك إنذار بشيء يتعلق بحملها. وهذه الأحلام شائعة جدا في فترة الحمل، وهي في الغالب من انعكاسات ما تمر به المرأة من تغيرات جسدية ونفسية. ومن الواجب التذكير بأن تفسير الأحلام اجتهاد ظني، وأنه لا يدل على حدوث مكروه. فلتطمئن كل حامل بأن الرؤيا لا تضر ما دامت لا تُعلَّق عليها أحكام.
الغرق في الرموز العامة يدل على الانغمار في أمر من أمور الدنيا كالهم أو الدين أو الفتنة، أما في حق الحامل فالأقرب أنه يعبر عن مشاعر الامتلاء والثقل والتغير. فالماء في الحمل له حضور حقيقي، إذ يحيط الجنين بماء ويتكون حوله، وقد يظهر هذا في الحلم على صورة بحر أو نهر. ولذلك رأى بعض المعاصرين أن أحلام الماء عند الحامل كثيرا ما ترتبط بالحمل ذاته والاستعداد للولادة. وهذا فهم يتفق مع ما يُعرف من أن الأحلام تتأثر بالحالة الجسدية والنفسية.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الماء قد يدل على الرزق والحياة وأن الغرق قد يدل على الوقوع في هم، وأن النجاة منه تدل على الخلاص. وذكر بعض المفسرين أن الماء الكثير في حلم المرأة قد يشير إلى الولد أو الخير أو إلى انفراج. وفي المقابل، ذكر آخرون أن الغرق قد يعبر عن خوف أو ضيق يزول بنجاتها. وهذه الأقوال غير قطعية، ولا ينبغي أن تنشغل بها الحامل أو تجعلها سببا للقلق.
ويتغير المعنى بحسب الأحداث، فإن نجت الحامل من الغرق وخرجت إلى الشاطئ فذلك يُستأنس به على الراحة وسلامة الولادة، دون جزم. وإن أنقذها أحد فقد يدل على سند من زوجها وأهلها وفريقها الطبي. وإن رأت الماء صافيا هادئا فهو أقرب إلى الطمأنينة، وإن رأته هائجا فهو أقرب إلى انعكاس القلق. وإن استيقظت أثناء الغرق فهو يحدث كثيرا بسبب كثرة الاستيقاظ ليلا في الحمل، ولا يُعد دلالة خاصة.
ومما يُراعى في حال الحامل أن أحلامها تكون أحيانا أكثر وضوحا وحيوية بسبب تغيرات الهرمونات وتقطع النوم وتزايد الأفكار. فلا ينبغي أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل. وقد تكون هذه الأحلام تعبيرا عن الخوف من الولادة أو من المسؤولية الجديدة أو من سلامة الجنين، وهو خوف طبيعي تشعر به معظم الأمهات. وخير ما تفعله أن تكثر من الدعاء والذكر، وأن تحكي مخاوفها لزوجها أو أمها أو طبيبتها.
ومن الدقائق: هل كان الغرق في بحر أم في بركة صغيرة، وهل رأت جنينا أو طفلا في الماء، وهل شعرت بألم أو ثقل في جسدها. فإن اقترن الحلم بأعراض حقيقية في اليقظة كضيق شديد في التنفس أو ألم أو نزف، فلا بد من مراجعة الطبيبة فورا لأن ذلك أمر صحي لا علاقة له بالتأويل. أما الحلم وحده فلا يستدعي أكثر من الاطمئنان والدعاء. وفي كل الأحوال لا ينبغي للحامل أن تتشاءم أو تحدث الناس بما رأت.
ومن الناحية النفسية، فإن الحمل مرحلة تتغير فيها الأحوال بسرعة، ويكثر فيها القلق، وربما ظهر في الأحلام على هيئة ماء وغرق وولادة. ومن الحكمة أن تعتني الحامل بنومها وغذائها، وأن تمارس المشي الخفيف إن أذن الطبيب، وأن تقلل من متابعة الأخبار المقلقة وقصص الولادة المخيفة. كما أن الجلوس مع نساء صالحات تثق بهن يخفف كثيرا من الخوف. وإن اشتد القلق أو كثرت الكوابيس فلا حرج في التحدث إلى الطبيبة أو مختصة نفسية، فصحة الأم النفسية مهمة لها وللجنين.
ومن اللطائف أن الحامل قد ترى في أحلامها مشاهد غريبة كثيرة في الشهور المختلفة من الحمل، فمنها ما يتعلق بالماء ومنها ما يتعلق بالحيوانات والطرق والبيوت، وكلها غالبا ثمرة ما يشغل الذهن. وليس من الحكمة أن تقضي المرأة وقتها في تتبع كل حلم وتأويله، فإن الراحة النفسية أولى. ويكفيها أن تقرأ المعوذات وآية الكرسي قبل النوم، وتنام على طهارة، وتستعيذ بالله من الشيطان إذا رأت ما يزعجها.
ومن المفيد أن تهيئ الحامل نفسها للولادة بالمعلومات الصحيحة من مصادر طبية موثوقة بدل الاعتماد على القصص المخيفة المتداولة، فإن الجهل يضخم الخوف والمعرفة تهدئه. ولتتذكر أن ملايين النساء مررن بالتجربة نفسها بسلام بفضل الله، وأن الله الذي خلق الجنين هو الأعلم بما يصلحه، وهو أرحم بها وبه من كل أحد.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يؤثر في قرارات الحمل أو الولادة أو الرعاية الصحية. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يعلم ما في الأرحام إلا هو سبحانه. فلتحسن الحامل الظن بربها، ولتكثر من الدعاء بأن يتم عليها نعمته ويرزقها ولدا صالحا ويكتب لها السلامة، وهو أرحم الراحمين.
