قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق في ماء أحمر اللون، كأن البحر أو النهر امتلأ بلون الدم أو الصبغة الحمراء، فيستيقظ منزعجا من هول المشهد. وهذا من الأحلام التي تترك أثرا نفسيا قويا بسبب لونها، لكنه يظل رمزا لا حقيقة. ومن الواجب أن نؤكد أن تفسير الأحلام ظني اجتهادي، وأن اللون الأحمر لا يعني بالضرورة سوءا قادما. فالحلم لا يخبر عن واقعة بعينها، وإنما قد يعكس انفعالات داخلية قوية.
اللون الأحمر في الرموز عند كثير من المعبرين يرتبط بالعاطفة الشديدة والغضب والحماسة والنار والدم، وقد يرمز أيضا إلى الفرح والحياة والزينة. ولذلك فإن الغرق في ماء أحمر قد يشير إلى انغماس في انفعال حاد، كغضب أو شهوة أو خصومة أو حماسة مفرطة. وقد يرمز كذلك إلى أمر فيه خطر أو حساسية، فيكون الحلم تنبيها إلى التأني. ولا يجوز أن يُفهم من ذلك أن دما حقيقيا سيراق، فهذه رموز تحتمل التأويل الواسع.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الدم قد يدل على المال الحرام أو الإثم أو على قرابة، بحسب السياق، وأن الأحمر قد يدل على الفرح أو على الغضب. وذهب بعض المفسرين إلى أن تغير لون الماء إلى الأحمر قد يدل على فتنة أو خصومة أو مرض، وأن النجاة منه تدل على السلامة. وقد اختلفت أقوال المعبرين اختلافا كبيرا في هذا الباب، فلا يجوز الجزم بشيء منها، ويؤخذ منها ما فيه عبرة وتنبيه فحسب.
ويختلف المعنى بحسب تفاصيل الحلم. فإن كان الأحمر صافيا كلون الورد أو العصير فقد يكون أقرب إلى الحياة والفرح، وإن كان كلون الدم الغامق فهو أقرب إلى الخوف والغضب. وإن نجا الرائي وخرج من الماء فهو من علامات الخلاص من فتنة أو خصومة. وإن رأى من يغسله أو ينظفه فقد يدل على تطهير وتوبة. وإن استمر الماء أحمر حتى استيقظ فقد يعبر عن توتر لم ينته. وكل ذلك يدخل في باب الظن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن مشاعر قوية كالحب أو الغضب أو الغيرة أو الخجل. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن توتر في العلاقة أو غضب مكبوت أو خلاف مع الأهل. وللرجل قد يعبر عن خصومة أو منافسة أو غضب أو شهوة يحاول التحكم فيها. وللحامل قد يعبر عن مشاعر الحمل القوية. وهذه كلها قراءات احتمالية لا أكثر، ولا ينبغي أن تُبنى عليها أحكام في العلاقات.
ومن الدقائق: هل كان الأحمر لون دم أم لون ورد أو طين أحمر، وهل كان معه رائحة، وهل كان الماء حارا أم باردا. فالماء الأحمر الحار قد يعبر عن غضب شديد، والأحمر الدافئ الصافي قد يعبر عن عاطفة. وهل رأيت أناسا حولك، أم كنت وحدك. وهل كنت خائفا أم غاضبا. ومن الحكمة أن يتجنب الإنسان الإفراط في تحليل المشاهد المزعجة، وأن يكتفي بالاستعاذة والدعاء.
ومن الجانب العملي، فإن هذا الحلم قد يكون تذكيرة بضبط النفس والتحكم في الغضب، فقد جاء في الهدي النبوي أن الشديد من يملك نفسه عند الغضب. فمن كان في خصومة فليسعَ إلى الصلح، ومن كان يكتم غضبا فليجد له طريقا مباحا للتعبير كالحوار الهادئ أو الرياضة أو الذكر. وإن كان الحلم متأثرا بمشاهد عنف شاهدها الإنسان في اليقظة فليبتعد عن هذه المشاهد. وليحافظ على أذكار الصباح والمساء والنوم.
ومن الناحية النفسية، فإن الأحلام ذات الألوان الحادة تعبر أحيانا عن انفعالات لم تجد متنفسا. وإذا كثرت الكوابيس المخيفة أو تأثر بها النوم والمزاج فمن الحكمة أن يتحدث الإنسان إلى شخص يثق به أو إلى مختص، فإن ذلك يعين على فهم المشاعر ومعالجتها. وليتذكر أن الأحلام لا تحكم على الإنسان ولا على أفعاله، وأن الله لا يحاسب على ما يراه النائم.
وقد يحسن أن يتذكر الإنسان أن الأحلام ذات الألوان الشديدة كثيرا ما ترتبط بما شاهده في يومه من أخبار أو أفلام أو مواقف، فلا يلزم أن يبحث عن معنى عميق لكل صورة. وإن كان في صدره خصومة مع أحد فليبادر بالصلح ما دام ذلك ممكنا، فإن خير الناس من بدأ بالسلام. وبهذا يتحول الحلم المزعج إلى دافع إلى إصلاح ذات البين، وهو من أعظم القربات.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في خصومة أو علاقة أو غيرها. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما رآه الإنسان من مخيف فليستعذ بالله منه ولا يشغل به باله. فليحسن المسلم الظن بربه، وليدعه أن يصرف عنه السوء ويؤلف بين القلوب، فإنه سبحانه رؤوف بعباده.
