قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق ويشتد به الكرب، ثم يمتد إليه يد شخص آخر فتنتشله من الماء وتنجيه. ومن شأن هذا الحلم أن يوقظ صاحبه وفي قلبه مزيج من الخوف الذي مر والامتنان لمن أنقذه. وهو حلم رمزي في معناه، فلا يدل على أن حادثاً سيقع ولا على أن شخصاً بعينه سيتدخل. والتعبير فيه اجتهاد ظني مبني على ما ذكره أهل العلم بالرموز، وقد يختلف من رائٍ إلى آخر.
الغرق في المنام يشير في الغالب إلى غلبة هم أو دين أو فتنة، وأما أن يكون الخلاص على يد غيره فذلك يدل في الجملة على وجود سبب خارجي يعين الرائي في شدته. وقد يكون هذا السبب قريباً أو صديقاً أو زميلاً أو معلماً أو جهة تقدم مساعدة في الوقت المناسب. وقد يُفهم منه أن الله يسخر للإنسان من يعينه من حيث لا يحتسب. وفيه كذلك تذكير بأن الإنسان لا يعيش وحده، وأن للعلاقات الطيبة قيمتها وقت الشدائد.
نُسب إلى ابن سيرين أن من غرق فخلّصه أحد فإنه يسلم من شدة بسبب ذلك الشخص، وربما كان له عليه فضل بعد ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المنقِذ إذا عُرف في المنام فقد يكون هو صاحب الخير في اليقظة، وإذا لم يُعرف فقد يكون رمزاً لعون يأتي من جهة غير متوقعة. ويرى بعض المفسرين أن هوية المنقذ تختلف دلالتها بحسب صفته من أب أو أخ أو غريب أو رجل صالح. وهذه الأقوال مما يختلف فيه، ويُؤخذ بها على سبيل الظن لا اليقين.
وتختلف الدلالة بحسب هوية المنقذ، فإن كان من الأهل فقد يدل على أن السند في البيت وأن الدعم قريب. وإن كان صديقاً أو زميلاً فقد يتصل الأمر بعون في عمل أو دراسة. وإن كان رجلاً صالحاً أو عالماً فقد يفسر بنصيحة تهدي الرائي إلى مخرج. وإن كان غريباً لا يعرفه فقد يشير إلى فرج يأتي من جهة لا يتوقعها. وينظر كذلك في وضوح وجه المنقذ وهيئته وكيف أنقذه، فكلها قرائن تُضاف إلى حال الرائي.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى وقوف أهلها أو من تثق بهم معها في موقف صعب، فتطمئن لذلك. وللمرأة المتزوجة قد يدل على سند من الزوج أو الأهل في ضيق تمر به. وللحامل قد يعبر عن حاجتها إلى من يدعمها ويحيطها بالرعاية في هذه المرحلة، وهو حاجة مشروعة. وللرجل قد يرمز إلى عون يأتيه من صديق أو قريب في وقت مالي أو وظيفي حرج.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه ما زال يتشبث بمنقذه بعد الخروج، فقد يعبر عن اعتماد شديد على غيره يحتاج إلى توازن. وإن رأى أنه شكر منقذه فقد يُحمل على أنه سيعترف بفضل أحد عليه. وإن رأى أن المنقذ ضعيف الجسم لكنه نجح فقد يشير إلى أن العون قد يأتي من حيث لا يُنتظر. وإن رأى أنه رفض المساعدة أول الأمر ثم قبلها فقد يكون في نفسه ترددٌ في طلب العون وهو بحاجة إلى تجاوزه.
وفي الجانب النفسي، قد يعكس هذا الحلم حاجة صاحبه إلى الدعم العاطفي أو العملي، وشعوره بأنه لا يستطيع مواجهة ما يمر به وحده. ومن الحكمة ألا يستحيي الإنسان من طلب المساعدة، فإن الاعتراف بالحاجة ليس ضعفاً بل نضج. ويستحسن أن يحدد من هم الأشخاص الذين يمكن أن يلجأ إليهم، وأن يبادر بالحديث معهم عن همّه. وإن كانت الكوابيس تتكرر فليستعن بمرشد موثوق أو مختص.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم أن يتذكر فضل الله عليه في تسخير الأسباب والأشخاص، وأن يشكر من أحسن إليه في اليقظة بكلمة طيبة أو دعاء. فالشكر للناس من شكر الله. وأن يكون هو بدوره عوناً لغيره إذا استطاع، فالحياة تقوم على التعاون والتراحم. ولا يربط شعوره بالأمان بشخص واحد، بل يجعل اعتماده الأكبر على الله سبحانه.
ومن اللطائف في هذا الباب أن بعض المعاصرين يرون في حلم الإنقاذ على يد غيره تعبيراً عن حاجة داخلية إلى الشعور بالأمان، خاصة عند من يتحمل مسؤوليات كثيرة ولا يجد من يسانده. فالعقل في نومه يرسم صورة المنقذ ليمنح صاحبه طمأنينة مؤقتة. وهذا المعنى لا يخالف المعنى الرمزي القديم، بل يكمله، إذ إن كلا القراءتين تلتقيان عند فكرة أن الإنسان بحاجة إلى سند.
ولذلك فمن رأى هذا الحلم فليتأمل في دائرته القريبة ويسأل نفسه من أولئك الذين يمكنه أن يستند إليهم بصدق، وليحرص على توثيق صلته بهم بالمودة والوفاء. وليذكر في الوقت نفسه أن أعظم سند للإنسان هو ربه سبحانه، فهو الذي يسخر الأسباب ويفرج الكروب. ومن جمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله وجد في نفسه سكينة لا تزعزعها المخاوف.
وفي الختام نقول إن تعبير الرؤى اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، فلا يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في الدنيا. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم لا يغير القدر. فلنقابل الرؤى بالدعاء وحسن الظن بربنا، ولنأخذ بالأسباب المشروعة، ولنمض في حياتنا مطمئنين.
