يرى بعض الناس أنهم يصرخون بأعلى أصواتهم وهم يغرقون، يطلبون النجدة ويستغيثون بمن حولهم. وهذا الحلم يترك في النفس أثراً من الفزع والعجز، وقد يستيقظ الرائي وهو يصيح فعلاً أو يشعر أن حنجرته مشدودة. وهو رمز لا ينبئ بحدث، والتأويل فيه اجتهاد ظني. ويرتبط الصراخ في الأحلام عموماً بحاجة داخلية إلى التعبير والبوح وطلب الغوث، وهو معنى مألوف في كتب التعبير الحديثة.
الصراخ في المنام يرمز إلى الاستغاثة والشكوى والتعبير عن ضيق مكتوم. فإذا اقترن بالغرق فقد يدل على أن الرائي بحاجة حقيقية إلى من يسمعه ويعينه، أو أنه يحمل شكوى لا يجد لها منفذاً. وقد يعبر عن غضب داخلي أو خوف يريد أن يخرج. وقد يدل كذلك على أن الرائي سيجد سنداً يستجيب لندائه. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها، وتتحدد بحال الرائي وما يمر به.
نُسب إلى بعض أهل التعبير أن الصراخ بصوت عالٍ في المنام قد يدل على كرب وشدة، وأن من استغاث فأُغيث فقد يُفرج عنه. وذهب بعضهم في ما يُنسب إلى النابلسي إلى أن الاستغاثة في الشدة تدل على التجاء إلى الله أو إلى الناس. وذكر آخرون أن الصراخ المكتوم قد يرمز إلى غم لا يُظهر. وتختلف الأقوال في ذلك ولا توجد قاعدة قاطعة فيها، فهي اجتهادات تُؤخذ على وجه الاحتمال.
وتتغير الدلالة بحسب ما حدث بعد الصراخ، فإن سمع أحد صراخه ونجده فذلك بشارة بعون قريب. وإن لم يسمعه أحد فقد يعبر عن شعور بالوحدة أو أن الناس لا يدركون حاجته. وإن استغاث بالله ودعا فقد يدل على رجوع إلى الله في الشدة، وهو خير. وإن كان صوته قوياً واضحاً فقد يعبر عن قدرته على التعبير، وإن كان ضعيفاً فقد يشير إلى تردد في طلب العون.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن رغبة في التعبير عن مشاعرها لأهلها أو لمن تثق به، وخوفها من أن لا يفهمها أحد. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى حاجة نفسية إلى من يسمع شكواها ويقدّر جهدها. وللحامل قد يعبر عن حاجة إلى الطمأنة والاهتمام. وللرجل قد يدل على همّ يحمله بصمت ويحتاج أن يبوح به لمن يثق به، فلا حرج في ذلك ولا ينقص من رجولته.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه ينادي اسم شخص معين فقد يدل على أن هذا الشخص هو من يطلب عونه أو يثق به. وإن رأى أنه يصرخ إلى السماء فقد يعبر عن شدة التجاء إلى الله. وإن رأى أن الناس يلتفتون ويتجمعون فقد يشير إلى عون جماعي. وإن رأى أنه يصرخ ولا يخرج صوته فهو من أحلام العجز الشائعة. وهذه كلها قرائن ظنية.
وفي الجانب النفسي، فالصراخ في الحلم قد يكون تفريغاً لضغط متراكم لا يجد صاحبه فرصة للتعبير عنه في اليقظة. وينفع هنا أن يتحدث الإنسان عما يضايقه بصدق، وأن يعبر عن مشاعره بكلمات هادئة، أو يكتبها في دفتر، أو يمارس نشاطاً بدنياً يفرغ التوتر. وإن كان من النوع الذي يكتم همومه فليتعلم أن طلب العون ليس عيباً.
ولعل من أجمل ما يتعلمه الرائي من هذا الحلم أن الدعاء استغاثة بالله القريب المجيب، وأن بابه مفتوح في كل وقت. وأن العبد إذا ضاقت به الأسباب فزع إلى ربه بقلبه ولسانه. وقد وصف القرآن إجابة المضطر إذا دعاه في معنى عام، وفي ذلك طمأنينة عظيمة. فمن جعل ربه ملجأه لم يشعر بالوحدة مهما اشتد به الكرب.
وإذا كان الحلم يتكرر مع أحاسيس وحدة أو حزن عميق أو انسحاب من الناس فلا بأس أن يستشير الرائي مرشداً أو مختصاً. فهذا من العناية بالنفس، وقد دعا الإسلام إلى التداوي وطلب العون. والحديث إلى أهل الثقة يخفف الكثير مما يثقل القلب.
وقد يرى بعض الناس هذا الحلم وهم في فترة ضغط اجتماعي، كمن ينتظر نتيجة أو يخوض نزاعاً أو يمر بتجربة جديدة، فيتحول الضغط إلى صراخ في الحلم. وفي هذه الحال يكفي أن يلتفت الإنسان إلى ما يضغطه في يقظته ويعالجه بهدوء، فإن الحلم يهدأ بزوال سببه. ومن الجيد أن يخصص وقتاً للراحة قبل النوم بعيداً عن المنبهات.
ومن الأمور التي قد تخفف هذا الحلم أن يتعلم الإنسان أن يعبر عن مشاعره في اليقظة بصورة مباشرة ولطيفة، فلا يتراكم الغضب أو الحزن حتى يخرج في صراخ منامي. فالتعبير الهادئ عن الحاجات من أسباب العلاقات الصحية، وهو مهارة تُكتسب بالتدريب. وكثير من خلافات الأسر تزول حين يجد كل طرف من يسمعه بإنصات ورحمة.
ولا بأس أن ينتبه الرائي إلى أن صراخه في المنام قد يوقظ من حوله في الواقع، فإن كان ذلك يتكرر فليراجع أسباب الفزع الليلي مع طبيب. وهذا من الأمور الشائعة عند الأطفال والكبار على حد سواء، ويزول غالباً بتنظيم النوم وتخفيف التوتر. وإن لم يزل فالاستشارة الطبية خير من الصبر على الإزعاج.
وخاتمة القول أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يبنى عليه قرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنحسن الظن بربنا، ولندعُه في كل حال، ولنمضِ في حياتنا مطمئنين.
