رؤية طفل يغرق من أكثر الأحلام التي توجع القلب، خاصة عند الآباء والأمهات ومن يرعون صغاراً. ويستيقظ الرائي منها مرتبكاً يتحسس أمر الطفل ويطمئن عليه. ونريد أن نبدأ بطمأنة صريحة: هذا الحلم لا يعني أن مكروهاً سيصيب الطفل، فالأحلام ليست خبراً عن الغيب. وهو في أغلب أحواله صدى لمحبة عميقة وخوف فطري على الصغار، والتفسير فيه رمزي وظني يحتمل الخطأ، ولا ينبغي أن يُخيف أحداً.
الطفل في المنام يرمز عند المفسرين إلى الهم الصغير المتجدد أو إلى أمل ناشئ أو أمانة في عنق الرائي، وقد يرمز إلى مشروع جديد يرعاه. والغرق يدل على غلبة الهم أو الانشغال. فإذا اجتمعا فقد يشير الحلم إلى شعور الرائي بأن أمراً ناشئاً يحتاج إلى رعاية، أو أن أعباء الرعاية والتربية تثقل كاهله. وقد يكون أيضاً مجرد انعكاس لخوف الوالدين الدائم على أطفالهم، وهو خوف طبيعي محمود في أصله ما لم يتحول إلى وسواس.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصبي في المنام قد يدل على همّ أو فرح بحسب حاله، وأن رؤية الغرق مع الصغار قد تُحمل على كثرة الهموم لا على الهلاك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الغرق بشكل عام يشير إلى الانغمار في الدنيا، فإذا رُئي في الصغير فربما دل على انشغال الرائي بهموم الأولاد أو الأعمال الجديدة. وبعض المفسرين يرى أن نجاة الطفل في الحلم دليل على سلامة الأمر وسعة الفرج. وهذه أقوال اجتهادية متباينة، لا تُجعل أساساً للقلق.
ويتغير المعنى بحسب هوية الطفل، فإن كان ابن الرائي أو ابنته فالحلم أقرب إلى مشاعر الأبوة والخوف الطبيعي. وإن كان طفلاً غريباً فقد يعبر عن أمر ناشئ لم يتضح بعد، أو عن حس رحمة عام. وإن كان الرائي هو الطفل نفسه في الحلم فقد يتصل بذكرى قديمة أو خوف طفولي. وينظر كذلك إلى نهاية المشهد، فإن كان الطفل قد نجا وعاد إلى أهله فذلك أدعى للطمأنينة وأبعد عن الوهم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز الحلم إلى خوفها من تحمل مسؤولية قادمة، أو إلى مشاعر الحنان الداخلية وحلم الأمومة. وللمرأة المتزوجة قد يكون انعكاساً مباشراً لحرصها على أولادها وقلقها عليهم في أثناء الدراسة واللعب والخروج. وللحامل قد يعبر عن مخاوف الولادة وما بعدها، وهي مخاوف شائعة جداً، ولا يُفهم منه سوء. وللرجل قد يدل على ثقل مسؤولية الإنفاق والتربية.
ومن الدقائق أن يرى الرائي الطفل يلعب قرب الماء فيقع، فقد يعبر عن خوفه من إهمال أو غفلة في الرعاية. وإن رأى أنه أنقذه فقد يشير إلى استعداده لحمايته. وإن رأى أنه يصرخ ولا يستطيع الوصول إليه فهذا غالباً من أحلام العجز التي ترافق القلق الشديد. وإن رأى أن الطفل ينجو بنفسه فقد يعني ثقته بقدرة الصغار على مواجهة الحياة بإذن الله. وهذه قرائن ظنية لا غير.
ومن الجانب العملي والنفسي، فحلم كهذا يأتي عادة من القلق الأبوي، ومن المفيد أن يحوله الرائي إلى إجراءات واقعية هادئة، كتعليم الأطفال قواعد السلامة قرب الماء، ومراقبتهم أثناء السباحة، والحرص على الأسوار والأغطية. فهذا من الأخذ بالأسباب المشروعة. أما الإفراط في القلق وتتبع الصغير في كل حركة فيضر الأب والطفل معاً. والوسطية أحسن، والتوكل على الله يريح القلب.
ولا يحسن أن يخبر الرائي طفله بأنه رآه يغرق، ولا أن يمنعه من اللعب خوفاً من الحلم. فالطفل يتأثر بما يسمع، وقد ينشأ عنده خوف من الماء بلا سبب. والأفضل أن يدعو له بالحفظ والعافية، وأن يرقيه بما ورد من الأدعية العامة والأذكار، وأن يستعيذ بالله له. وهذا يسكن قلب الأب أو الأم ويغني عن التهويل.
وإن كان الحلم يتكرر مع أرق وقلق مفرط على الصغار حتى يؤثر في الحياة اليومية، فلا حرج في الحديث إلى شخص موثوق أو مختص يعين على التخفيف. فالقلق على الأبناء قد يتضخم أحياناً بعد حادثة أو خبر مؤلم سمعه الأهل، وعلاجه الحديث والراحة والتنظيم. وهذا من العناية بالنفس التي تنعكس بالخير على الأسرة كلها.
ومما يزيد الأمر وضوحاً أن الأطفال يظهرون في الأحلام كثيراً بوصفهم رمزاً للبراءة والضعف الذي يستدعي الحماية، فمن رأى طفلاً يغرق فربما كان يخاطب في داخله جانباً ضعيفاً فيه يحتاج إلى رعاية واهتمام. وهذا معنى لطيف لا ينقص من قيمة الحلم، ويحمل صاحبه على الرفق بنفسه وبمن حوله.
وختاماً، تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار حقيقي ولا خوف على أحد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو أرحم بعباده من أنفسهم. فلنكثر من الدعاء لأولادنا وأطفال المسلمين بالحفظ والعافية، ولنحسن الظن بالله، ولنمض في رعايتهم بقلوب مطمئنة.
