قد يرى الإنسان في منامه شخصاً غريقاً قد فارق الحياة، ملقى على الشاطئ أو طافياً على سطح الماء أو مرفوعاً من البحر، فيستيقظ وفي نفسه ثقل وحزن. وأول ما ينبغي تأكيده أن هذه الرؤيا لا تتنبأ بموت أحد ولا بأذى يصيبه، وأن الأحلام ليست أخباراً عن الغيب. وعلى الرائي ألا يخيف أحداً من أقاربه بما رأى، وألا يربط الحلم بشخص معين من الأحياء، فالرؤيا رمز وليست حكماً.
الغرق في المنام يرمز عند المعبّرين إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب أو الفتن، وأما الموت في الأحلام فيُفسَّر في أغلب الأحيان تفسيراً رمزياً لا يتعلق بالموت الحقيقي، كانتهاء مرحلة أو انقطاع أمر أو تحول في الحال. فإذا اجتمع الاثنان فقد يدل الحلم على همّ ثقيل انقضى أمره أو على مرحلة صعبة اكتملت، وقد يعبر عن حزن مكتوم أو شعور بالخسارة أو تأمل في قصر الدنيا وسرعة زوال متاعها، وهو تأمل يدعو إلى الاعتبار لا إلى الخوف.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الغرق يرتبط بغلبة الدنيا وأمورها على الرائي، وأن النجاة منه علامة على السلامة، بينما رأى بعض المعبّرين أن مشاهدة الأموات في الأحلام تُحمل على أحوال الرائي أكثر من أحوالهم. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن رؤية الميت قد تكون تذكيراً بالآخرة أو بحاجة الرائي إلى المراجعة والتوبة. وهذه الأقوال متفاوتة، وكلها اجتهاد لا يوجب جزماً ولا خوفاً.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان المشهد هادئاً والوجه غير مروّع، والماء صافياً، فالدلالة أخف وأقرب إلى التأمل والعبرة. وإن كان المشهد كئيباً ثقيلاً فقد يعبر عن حزن أو ضغط نفسي يعيشه الرائي. وإن كان الغريق غير معروف، فالأرجح أن المعنى رمزي عام يتعلق بالرائي نفسه وبما يغمره من أحاسيس. أما إن كان معروفاً فلا يحمل ذلك على أنه سيصيبه شيء، بل يُحمل على ما يمثله عند الرائي من معنى أو ذكرى.
وللرجل قد يعكس الحلم ما يحمله من هموم العمل أو انتهاء مرحلة من حياته. وللمرأة المتزوجة قد يكون صدى لقلق على أسرتها أو لحزن لم تعبّر عنه. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى مرحلة قلق أو انتظار تثقل نفسها. وللحامل قد يكون من أثر تقلب الأحاسيس في هذه المرحلة، فعليها ألا تتخوف منه ولا تربطه بجنينها ولا بأحد، وأن تكثر من الأذكار والدعاء وتتواصل مع من تثق بهم ليخففوا عنها.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي إلى ما شعر به بعد الرؤيا: هل شعر بالخوف أم بالحزن أم بالسكينة؟ فإن شعر بالسكينة فقد يكون الحلم عبرة هادئة، وإن شعر بالخوف فهو من أثر المشهد في النفس. كما أن وجود أناس يتعاونون على رفع الجثمان قد يرمز إلى تكاتف الناس حول الرائي في شدة، وغياب الناس قد يعكس شعوراً بالوحدة، وليس لأي من ذلك حكم ثابت، بل هي احتمالات يُستأنس بها.
وعملياً، فمن الحسن أن يتخذ الرائي من هذا الحلم باعثاً على الإكثار من ذكر الله والاستغفار والصدقة والدعاء للأموات من المسلمين عامة، فإن ذلك مما ينفع الحي والميت، ويورث القلب طمأنينة. وليتجنب ما يزيد القلق كمشاهدة الأخبار المحزنة والصور المؤلمة قبل النوم، وليحرص على نوم هادئ، ولا يتحدث بالحلم لمن يخشى أن يتأثر به، فالأفضل ستره والاستعاذة بالله من شره.
ومن الجانب النفسي، فإن مثل هذه الأحلام قد تتكرر عند من مروا بفقد أو صدمة أو ضغط شديد، أو عند من يتابعون أخباراً مؤلمة، وقد تعكس حاجة النفس إلى معالجة مشاعر الحزن. وهي لا تدل على مرض ولا خطر. لكن إن تكررت وأثرت في النوم والشهية والمزاج، فلا حرج في الحديث إلى شخص موثوق أو مختص نفسي، فطلب العون من الأخذ بالأسباب المأمور بها.
ومن اللطائف أن كثيراً من الناس يتأثرون بصور الأحلام المؤلمة أكثر من تأثرهم بمعانيها، فيظنون أن شدة المشهد تدل على شدة الشر. والحقيقة أن الأحلام تستعير صوراً قوية لتعبر عن مشاعر عادية، كالتعب والحزن والانشغال. فليهدّئ الرائي نفسه، وليذكر الله، وليعلم أن لا ارتباط بين قوة الصورة وبين ما سيقع، وأن الشيطان يحزن المؤمن بما يريه من مكروه، وعلاجه الاستعاذة وعدم الالتفات.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي ولا خوف على أحد من الأحياء. فعلى المسلم أن يقابل رؤياه بالدعاء والاستعاذة وحسن الظن بالله، وأن يعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وأن الآجال بيده سبحانه، وهو الرحيم بعباده اللطيف بهم.
