حين يرى الإنسان قريباً له يغرق في المنام، سواء كان أخاً أو أختاً أو عماً أو خالاً أو ابن عم، يستيقظ مضطرباً ويتساءل عن سبب هذا المشهد المزعج. ومن المهم أن يستقر في قلبه من أول لحظة أن الحلم لا يعني أن مكروهاً سيقع لهذا القريب، فليست الأحلام إخباراً بالغيب. ومعظم ما يُرى من هذا الباب يعبر عن علاقة الرائي بقريبه وما يحمله له من محبة وقلق. والتفسير يبقى اجتهاداً ظنياً يتناول بهدوء.
الغرق في المنام يرمز إلى غلبة هم أو دين أو فتنة، فإذا رُئي في قريب فقد يشير إلى أن هذا القريب يمر بضيق أو أن الرائي يتوقع منه ضيقاً. وقد يعبر كذلك عن أن في العلاقة العائلية ما يُشعر الرائي بالتوتر أو بالحاجة إلى المبادرة. وفي أحيان كثيرة لا يعدو أن يكون صورة تعكس شدة التعلق به وخوف القلب عليه. فالإنسان إذا أحب أحداً كثر خوفه عليه، فيُظهر له العقل الباطن مشاهد الخوف في المنام.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الغرق في الأقارب قد تدل على اشتغالهم بالدنيا أو وقوعهم في هم، وليس فيها ما يدل على هلاك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الغرق في الغير تُفسر بحال الغريق وحال الرائي معاً. ويرى بعض المفسرين أن الغريق الذي ينجو يدل على خلاص ذلك القريب من شدة. وتختلف الأقوال في ذلك، ولا يجوز أن يتخذ أحد منها سبباً للجزع، لأنها اجتهادات لا وحي فيها ولا قطع.
وتتغير الدلالة بحسب القريب، فإن كان أخاً أو أختاً فقد يتصل الأمر بشؤون الأسرة وما يشغله من عمل أو زواج. وإن كان عماً أو خالاً فقد يتعلق برابطة العائلة الأوسع. وإن كان ابن عم أو قريباً بعيداً فربما كان الحلم تعبيراً عن مشاعر مختلطة نحو العائلة كلها. وينظر إلى مصير الغريق في الحلم، أنجا أم لا، وإلى موقف الرائي منه. وكل ذلك مما يعطي القراءة معنى مختلفاً قليلاً، دون أن ينقلها إلى خبر عن الغيب.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن حرصها على أهلها وقلقها على أحوالهم. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى تعلقها بأهلها وهي بعيدة عنهم، وخوفها عليهم. وللحامل قد يعكس حساسية زائدة وحاجة إلى طمأنة. وللرجل قد يدل على اهتمامه بالقريب وما قد يكون عنده من ضائقة مالية أو أسرية. وفي كل ذلك لا ينبغي أن يرتب الرائي على الحلم موقفاً أو يغير علاقته بقريبه تغييراً حاداً.
ومن الدقائق أن يرى الرائي قريبه يغرق في مكان مألوف كبيت العائلة، فقد يتعلق الأمر بحادثة أسرية معينة. وإن رآه في بحر بعيد فقد يتصل بمسافة بينهما أو غربة. وإن رأى أنه ساعده فقد يعبر عن رغبة في صلة الرحم وإعانته. وإن رأى أنه خاف ولم يتحرك فقد يعني إحساساً بالتقصير في حق هذا القريب. وهذه كلها ظنون مرجوحة تُقرأ بهدوء.
وفي الجانب النفسي يكفي أن يسأل الرائي نفسه متى آخر مرة اتصل بقريبه وسأل عنه، فإن كانت طويلة فليبادر بمكالمة ودية دون ذكر الحلم. فالحلم قد يكون تذكيراً لطيفاً بصلة الرحم، وهي من أعظم القربات. ومن المهم ألا يقول لقريبه إنه رآه يغرق ولا أن يطلب منه الحذر، فإن ذلك يخيفه بلا مبرر. وإن كانت الكوابيس مزعجة ومتكررة فلا بأس بالحديث إلى مرشد أو مختص يعينه على الاطمئنان.
ثم إن المؤمن يقابل مثل هذه الرؤى بالدعاء لقريبه بالعافية والستر وطول العمر على الطاعة، فهو أنفع من التفكير والتخمين. ويستعيذ بالله مما رأى ويترك الحلم وراء ظهره. والله يحفظ عباده ويرعاهم، وبيده وحده شؤونهم كلها. فلا يجوز أن يتحول حلم إلى سبب للقلق الدائم أو القطيعة.
ومن المهم أن نؤكد في هذا الموضع أن العقل البشري حين يحب يخاف، وأن كثيراً من الأحلام التي نرى فيها الأحبة في خطر هي مجرد ترجمة للخوف الفطري عليهم. وليست الرؤيا ميزاناً لحال أحد، ولا ينبغي أن يُظن أن الحلم يتنبأ بما قدره الله لهم. فالأعمار والآجال والأحوال بيد الله وحده، لا يعلمها إلا هو، ولا تغيرها رؤيا ولا يؤخرها تأويل.
ومن الأخطاء الشائعة أن ينقل الرائي حلمه إلى الأهل فيتحول إلى هاجس مشترك يقلق البيت كله. والأحسن أن يكتم الحلم وأن يكتفي بالدعاء، فقد جاء في الهدي النبوي عموماً الترغيب في كتمان الرؤيا المكروهة وعدم التحديث بها. وفي ذلك حماية للقلوب من وساوس لا أصل لها. وإن شعر الرائي بحاجة إلى الحديث فليحدث شخصاً واحداً حكيماً يطمئنه ولا يزيده خوفاً.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وليس فيه ما يوجب خوفاً ولا يصلح أساساً لقرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا تُنبئ الرؤيا بما سيقع. فلنحسن الظن بالله، ولندعُ لأقاربنا بالخير، ولنمض في حياتنا مطمئنين.
