كثيرا ما ترى الفتاة غير المتزوجة في منامها أنها تغرق في بحر أو نهر أو مسبح، وتستيقظ وفي قلبها حيرة من معنى ما رأت. وهذه الرؤية شائعة بين الفتيات في مراحل الدراسة والعمل والخطبة وانتظار الزواج. والتفسير فيها اجتهاد ظني لا يُجزم به، ويعتمد على حال الرائية وما تمر به. فهي رموز لا تدل على حدث مؤكد، بل قد تعبر عن مشاعرها أكثر مما تخبر عن غيب.
الغرق عند أهل التعبير يشير إلى الانغمار في أمر من أمور الدنيا كالهم أو الفتنة أو الدين أو الذنب، وللفتاة قد يرتبط بما يشغل بالها من مسؤوليات ومشاعر. فقد تكون في مرحلة اختيار مصيرية كالدراسة أو العمل أو الزواج، فتشعر بأن الأمور تغمرها. وقد يكون الماء رمزا لعواطفها التي تتزاحم، فيعبر الغرق عن إحساس بالامتلاء العاطفي والحيرة. وهذا المعنى النفسي لا يخالف الرمز التقليدي، بل يكمله.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الغرق في الماء قد يدل على الوقوع في فتنة أو هم، وأن النجاة منه تدل على السلامة. وذكر بعض المفسرين المعاصرين أن الغرق في حلم الفتاة قد يشير إلى تعلق قلبها بأمر أو شخص، أو إلى ضغوط من أسرتها أو مجتمعها، وأن النجاة تدل على الخروج من الحيرة. ومن المفسرين من رأى أن الغرق في ماء صاف قد يدل على اقتراب خير كالزواج أو العلم. وكل هذه الأقوال متفاوتة، ولا يجوز اعتبارها أحكاما.
ويتبدل المعنى بحسب حال الماء وما جرى في الحلم. فإن كان الماء صافيا والغرق هادئا فربما دل على انشغالها بأمر جميل كدراسة أو حب مشروع أو استعداد لزواج. وإن كان عكرا والغرق مخيفا فربما دل على همّ أو شبهة أو علاقة غير مريحة. وإن نجت وخرجت فذلك يستأنس به على الخلاص من حيرة أو ضغط. وإن أنقذها شخص فقد يشير إلى عون من أهلها أو من خطيب أو صديقة أو من فضل الله عليها.
ومن الدقائق التي تخص الفتاة: من الذي أنقذها إن وُجد، فإن كان أباها أو أخاها فقد يدل على حماية الأهل، وإن كان شابا غريبا فقد يؤول بأنه رمز لعون يأتيها، لا على أنه شخص بعينه. وهل كانت ترتدي ثيابا ثقيلة تعيقها فقد يدل على أعباء تحملها. وهل كانت وحدها أم مع صديقاتها، فالرفقة قد تدل على أن ما يشغلها مشترك بين بنات جيلها. ومن المهم ألا تربط الفتاة بين الحلم وشخص معين وتتوهم علاقة لا أصل لها.
وإن كانت الرائية مخطوبة فقد يتصل الحلم بقلق من الارتباط وما يتبعه من مسؤوليات، وهو قلق طبيعي لا يعني ضررا. وإن كانت طالبة فقد يتصل بضغط الامتحانات. وإن كانت عاملة فقد يتصل بضغوط المهنة. ومن الحكمة ألا تتخذ قرارا بقبول شخص أو رفضه بناء على حلم، بل تستخير الله وتستشير أهل الرأي من أهلها وتنظر في الأمور بعقل وبصيرة.
وعلى الجانب النفسي، فإن هذه الأحلام تكثر عند الفتيات حين تتراكم التوقعات من حولهن، كأن يُطلب منهن التفوق والزواج وحسن التصرف في آن. وقد ينفع أن تتحدث الفتاة إلى أم أو أخت أو صديقة صالحة، وأن تكتب ما يقلقها، وتنظم وقتها، وتحافظ على صلاتها وأذكارها، وتخصص لنفسها وقتا للراحة. وإذا تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في نومها ونشاطها فلتستشر مختصة نفسية دون حرج، فهذا من حسن العناية بالنفس.
ومما ينبغي التنبيه إليه في أحلام الفتيات خاصة أن بعض الناس يتسرعون في ربط الأحلام بالزواج أو بالعلاقات، فيتوقعون أن الغرق يعني حبا أو خطبة قريبة، وليس ذلك بلازم ولا مطرد. فالأحلام لغة رمزية مرنة، وقد تعني الشيء ونقيضه بحسب الرائية وظروفها. ومن الخير للفتاة أن تنشغل بما ينفعها من طاعة وعلم وعمل، وأن تترك أمر الزواج والرزق لله، فإن ما كتبه الله لها سيأتيها في وقته المناسب دون أن تلهث خلفه.
وقد يكون من المفيد أن تنظر الفتاة إلى هذا الحلم كفرصة لتفقد أحوالها: هل تحمل همّا لم تبح به لأحد؟ هل تثقل على نفسها بتوقعات الآخرين؟ هل أهملت نصيبها من النوم والراحة والاستمتاع بالمباح؟ فإن في الإجابة عن هذه الأسئلة ما يخفف كثيرا من وطأة هذه الأحلام. وكلما كان القلب مطمئنا بذكر الله، قلّت الأحلام المزعجة بإذن الله، وإن كان الله وحده يعلم حكمته في كل ما يريه عباده.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يكون أساسا لقرار في الخطبة أو الدراسة أو العمل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يجوز أن يُصدق في ذلك كل من ادعى علمه. فلتحسن الفتاة الظن بربها، ولتكثر من الدعاء بأن يرزقها الخير حيث كان، وأن يشرح صدرها ويكتب لها السعادة في الدنيا والآخرة.
