من الأحلام التي ينتابها شعور غريب أن يرى الإنسان أنه يغرق ببطء شديد، فيهبط في الماء رويداً رويداً ويمتد به الوقت وكأنه يرى كل شيء بحركة بطيئة. وهذا الحلم مزعج لما فيه من طول الترقب، لكنه يختلف في دلالته عن الغرق المفاجئ. وهو رمز لا ينبئ بحادثة، والتأويل فيه اجتهاد ظني. وغالباً ما يكون مرتبطاً بإحساس الإنسان بمرور الوقت وبثقل الأمور تدريجياً.
البطء في المنام يرمز إلى التدرج والتراكم والتأجيل، فإذا اجتمع مع الغرق فقد يعبر عن أن همّاً يتراكم على الرائي شيئاً فشيئاً حتى يثقله. فقد يكون ديناً يزيد، أو عادة سيئة تتمكن، أو عبئاً وظيفياً يكبر بالتدريج، أو علاقة تفتر ببطء. وقد يدل على أن الرائي يلاحظ تدهور أمر ما لكنه لا يتحرك لإصلاحه. وفي هذا المعنى تنبيه إلى أهمية المبادرة قبل أن يشتد الأمر.
نُسب إلى بعض أهل التعبير أن بطء الحركة في المنام يدل على تعثر في الأمور وطول مدة، وأن الغرق ببطء قد يدل على هم طويل الأمد. وذهب بعضهم إلى أن النجاة بعد الغرق البطيء تدل على فرج بعد انتظار. ويرى آخرون أن البطء مهلة من الله للمراجعة والتدارك. وكل ذلك مما يتفاوت فيه المفسرون، ولا يوجد نص قاطع فيه، فهي اجتهادات تُنقل على وجه الاحتمال لا اليقين.
وتتغير الدلالة بحسب حال الرائي أثناء الغرق البطيء، فإن كان هادئاً يراقب فقد يدل على غفلة عن تراكم أمر ما. وإن كان يقاوم ويحاول فقد يدل على سعيه الواعي لتدارك أمره. وإن استطاع التنفس أو الصعود بعد وقت فقد يدل على فرج بعد صبر. وإن بقي غارقاً حتى الاستيقاظ فقد يعبر عن همّ مستمر لم يحسم. وكذلك يؤثر وضوح الماء وعمقه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى تأجيل قرار مهم حتى كاد الوقت يضيع، أو إلى علاقة تتآكل ببطء. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن فتور تدريجي في العلاقة الأسرية أو تراكم مشكلات صغيرة. وللحامل قد يرتبط بإحساس الزمن البطيء في أشهر الانتظار. وللرجل قد يدل على ديون تتزايد أو عمل يستنزفه ببطء، ويحسن أن يتحرك قبل أن يتفاقم.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أن الماء يرتفع حوله تدريجياً، فقد يعبر عن تصاعد ضغط يعرفه. وإن رأى أن ثيابه تثقل بالماء فقد يدل على أعباء لا يرى لها نهاية. وإن رأى أنه يرمي ما يثقله فيخف فقد يدل على استعداده للتخلي عما لا يلزمه. وإن رأى أحداً يمد له يداً ببطء فقد يعني أن العون سيأتي لكنه ليس عاجلاً. وهذه قرائن ظنية فحسب.
وفي الجانب العملي، فإن هذا الحلم دعوة لطيفة إلى تفقد ما يتراكم في حياتنا من أمور مؤجلة، كالأقساط والمواعيد والعلاقات والصحة والعبادة. فمن بادر وعالج أموره باكراً وفّر على نفسه كثيراً من الجهد. ويفيد وضع خطة صغيرة يومية لمعالجة ما يقلق، فالخطوات الصغيرة المتواصلة أقوى من القفزات المتقطعة. وهذه فائدة عملية للحلم بغض النظر عن تفسيره.
ومن الناحية النفسية قد يعبر الحلم عن شعور بالعجز المكتسب، أي أن الإنسان اعتاد الشدة حتى كف عن المقاومة. وهنا يحسن أن يتذكر أن للتغيير بابًا، وأن الاستعانة بالله ثم بالناس تفتح أبواباً لم تكن ظاهرة. وإن شعر باستمرار الحزن أو فقدان الدافع فليستشر مختصاً، فالعلاج النفسي والاجتماعي من الأسباب المشروعة.
وللمؤمن في الصبر على الطويل من الأمور معين عظيم، فقد وعد الله الصابرين بأجر عظيم. والصبر ليس استسلاماً بل ثبات مع سعي وعمل. ومن جمع بين الصبر والعمل والدعاء وجد في كل ضيق مخرجاً بإذن الله.
ومن اللافت أن الإحساس بالبطء في الأحلام شائع، إذ يمر الوقت في المنام بطريقة مختلفة عن اليقظة، فربما بدا للنائم أن الغرق استغرق ساعات وهو لم يستغرق ثوانٍ. ولذلك فإن بطء الحدث في الحلم قد يكون خاصية من خصائص النوم لا رمزاً مقصوداً. ومن أراد التفسير الدقيق فلينظر إلى مشاعره وما يحيط بالمشهد أكثر من نظره إلى سرعته.
وقد يصاحب هذا الحلم شعور بالثقل في الأطراف كما لو أن الشخص لا يستطيع الحركة، وهذا يرتبط بحالة طبيعية في النوم تسمى شلل النوم الطبيعي للعضلات أثناء الأحلام. وهو أمر معروف لا يدل على مرض، ومن أحسن ما يخففه انتظام النوم وتجنب السهر. وإذا تكرر مع خوف شديد فلا بأس باستشارة طبيب.
ويحسن بالرائي أن يجعل الحلم حافزاً على تنظيم أموره المؤجلة، فيكتب قائمة بأهم ثلاثة أمور يؤجلها ويبدأ بأصغرها اليوم. فإن الإنجاز الصغير يمنح النفس قوة ويخفف ثقل ما تبقى. وهذه عادة نافعة في كل شأن، وهي من الأخذ بالأسباب التي أمر بها الشرع في العمل وحسن التدبير.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصلح أساساً لقرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنحسن الظن به ولنكثر من الدعاء ولنبادر بتدارك أمورنا بهدوء ولنمضِ في حياتنا مطمئنين.
