من أصعب ما يمر على النائم أن يرى أنه يغرق ولا يستطيع أن يتنفس، فيشعر بضيق شديد في صدره ثم يستيقظ لاهثاً. وهذا الحلم كثيراً ما يرتبط بحالة جسدية كضيق التنفس أو ضغط على الصدر أو انسداد الأنف أثناء النوم. ومع ذلك فقد ذكر أهل التعبير له دلالات رمزية، وهي اجتهاد ظني لا يقطع به. ولا ينبغي أن يُحمل على أنه نذير مرض أو هلاك.
التنفس يرمز في المنام إلى الحياة والراحة وانشراح الصدر، وانقطاعه يرمز إلى الضيق والكرب. فإذا اجتمع مع الغرق فقد يدل على أن الرائي يشعر بأن همومه خنقته وضاقت عليه الدنيا. وقد يعبر عن ضغط نفسي كبير أو التزامات تحاصره، أو علاقة تشعره بالاختناق. وقد يشير إلى كتمان همّ ثقيل لا يقدر أن يبوح به. وقد يعبر كذلك عن شعور بفقدان الحرية في أمر معين.
نُسب إلى ابن سيرين أن الضيق في الصدر في المنام يدل على هم وكرب، وأن سعة النفس تدل على الفرج. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن من غرق ولم يتنفس قد يصيبه هم شديد أو دين ثقيل، وأن من تنفس بعد ذلك فُرج عنه. وذكر بعضهم أن انحباس النفس في المنام قد يرمز إلى منع أو حبس. وتتفاوت هذه الأقوال، ولا ينبغي الجزم بشيء منها، فهي اجتهادات تحتمل الخطأ.
وتتغير الدلالة بحسب ما حدث لاحقاً، فإن استطاع الرائي أن يتنفس بعد جهد وصعد إلى السطح فقد يدل على زوال الكرب بعد معاناة. وإن بقي بلا نفس حتى استيقظ فقد يعبر عن ضغط مستمر. وإن رأى أن غيره يعينه على التنفس فقد يشير إلى سند. وإن كان ذلك يتكرر كل ليلة فالغالب أنه من أثر جسدي أو نفسي أكثر منه رمزاً. وللون الماء وعمقه أثر أيضاً في المعنى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن إحساس بالاختناق من ضغوط الأهل أو العمل أو الدراسة أو التوقعات الاجتماعية. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى ضيق من أعباء البيت أو علاقة مرهقة. وللحامل قد يكون من أثر ضغط الرحم على الحجاب الحاجز وضيق التنفس الطبيعي في أواخر الحمل، فلا معنى له. وللرجل قد يدل على ضغط عمل أو دين أو التزامات تثقله.
ومن الدقائق أن يرى الرائي يداً تضغط على صدره أو شيئاً ثقيلاً فوقه، وهذا كثيراً ما يرتبط بوضع النوم على الصدر أو بشلل النوم المؤقت. وإن رأى أنه يبتلع الماء فقد يعبر عن استسلام للهم. وإن رأى أنه يصرخ فلا يخرج صوته فهذا من أحلام العجز الشائعة. وإن رأى أنه يستيقظ ويتنفس بعمق فقد يكون في ذلك بداية راحة. وكلها قرائن ظنية فحسب.
وفي الجانب الجسدي والنفسي، فإن الأحلام التي فيها اختناق قد تكون بسبب احتقان الأنف أو الحساسية أو الشخير أو انقطاع النفس أثناء النوم أو الارتجاع المعدي أو القلق. وإذا تكرر الحلم أو صاحبه استيقاظ لاهث وتعب نهاري فمن المناسب مراجعة الطبيب لاستبعاد سبب عضوي. وهذا من الأخذ بالأسباب المشروعة، ولا ينافي التوكل على الله.
ومن النصائح العملية أن يتجنب الإنسان الأكل الثقيل قبل النوم، وأن ينام برأس مرفوع قليلاً، وأن يهوي غرفته جيداً، وأن يتجنب النوم على الصدر. كما ينفع تمرين التنفس العميق والبطيء قبل النوم، فهو يهدئ الأعصاب. وللقلق والتوتر المزمن أثر ظاهر، فمن عالجهما بالراحة والحديث وطلب المساعدة خفت عنه هذه الأحلام.
وللمؤمن أن يتذكر أن الله هو الذي ينفس الكرب، وأن من فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه. وأن الدعاء بأن يشرح الله الصدر ويسر الأمر من أعظم ما يستعان به. وقد جاء في القرآن ذكر شرح الصدر عموماً، وفي ذلك دلالة على أن انشراح الصدر من نعم الله التي تُطلب بالدعاء والعمل.
وقد ذكر بعض الأطباء أن أحلام الاختناق من أكثر ما يُرى عند من يعانون من قلق مستمر، إذ ينعكس توتر النهار على تنفس الليل. ولذلك فإن من لاحظ تكرار هذه الأحلام مع خفقان أو ضيق صدر نهاري فمن الحكمة أن يتحدث إلى طبيب يطمئنه ويفحص حالته. وهذا لا يعني وجود مرض، بل هو احتياط مشروع يريح القلب ويقطع الشك.
وللرائي أن يتذكر أن الاختناق في الحلم ليس اختناقاً في الحقيقة، فهو يستيقظ فيجد نفسه يتنفس بسهولة ويرى أن كل شيء بخير. وفي هذا تذكير بنعمة النفس التي لا ننتبه لها، وأنها من أعظم نعم الله علينا. وكلما استحضر الإنسان نعمة النفس والصحة شكر ربه وخف قلقه. فالشكر دواء للقلق ومفتاح للطمأنينة.
وإذا أحس الرائي بضيق عام في حياته فليتأمل ما الذي يشعره بالاختناق، أهو عمل أم علاقة أم دين أم عادة. وليبدأ بتخفيف الضغط في هذا الجانب ولو قليلاً، فالتنفس النفسي يحتاج إلى مساحة. ومن أعطى نفسه مساحة للراحة والهواء الطلق والحديث مع الأحبة وجد أن أحلامه تهدأ.
وفي الخاتمة، تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصلح أساساً لقرار حقيقي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلنحسن الظن بربنا، ولنداوِ أجسادنا وقلوبنا بالأسباب المشروعة، ولنمضِ في حياتنا مطمئنين.
